najjadeh.org
الثلثاء ، 17 تشرين الاول ، 2017
 
كيف تنتسب الى الحزب
  
شارك برأيك  
هل تؤيد توزير الخاسرين في الإنتخابات النيابية الأخيرة
  نعم
  لا
  لا يهمني

   
 
صوت النجّادة العودة
 
 
إسرائيل في إفريقيا.. تغلغل على حساب العرب وضد إيران
توقفت كثيرا عندما وجدت في أوراق تيودور هرتزل، مؤسس الصهيونية السياسية، قبل فترة طويلة من نشأة دولة إسرائيل نوعا من الاهتمام بالقارة الإفريقية، فقد كتب هرتزل يقول بأنه: "كان شاهدا على محنة وخلاص شعبه اليهودي"، وأنه "سوف يفعل ما في وسعه للمساعدة في خلاص الأفارقة من محنتهم". ويبدو أن قادة إسرائيل الأوائل حاولوا الولوج إلى إفريقيا من خلال المشابهة بين تجربة اليهود في بناء دولتهم القومية وتجربة الأفارقة في بناء دولتهم بعد الاستقلال.

بيد أن هذه المثالية السياسية لم يكن لها أدنى تأثير بعد ذلك في صياغة سياسة الدولة العبرية تجاه إفريقيا، فكما كانت إفريقيا زمن الحرب الباردة ساحة للصراع وكسب النفوذ بين القوى الكبرى في النظام الدولي، فإنها كانت كذلك بالنسبة للصراع المحتوم بين إسرائيل والعرب ولاسيما في عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي. وقد دفع ذلك بأحد المسئولين في إسرائيل إلى وصف الصراع من أجل إفريقيا بأنه "يمثل مسالة حياة أو موت بالنسبة لإسرائيل".

ولا شك أن إشكالية الخفي والمعلن في السياسة الإفريقية للدولة العبرية تطرح نفسها بقوة إذا أردنا أن نفهم مغزى ودلالات جولة وزير الخارجية الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان في عدة دول إفريقية شملت إثيوبيا وكينيا وغانا ونيجيريا وأوغندا، وهي الجولة التي بدأها في الأسبوع الأول من سبتمبر الحالي. ويبدو من تشكيل الوفد المرافق للوزير الإسرائيلي أنه يرمي إلى تحقيق أمرين متلازمين: أولهما فتح قنوات جديدة لدعم العلاقات التجارية والاقتصادية بين إسرائيل وإفريقيا، وثانيهما محاولة احتواء الدور الإيراني المتزايد في القارة السمراء.

وكما بينًا آنفا، فإن التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا قد بدأ مبكراً في أعقاب حصول الدول الإفريقية على استقلالها ابتداء من أواخر خمسينات القرن الماضي؛ فقد دأبت إسرائيل على أن تطرح نفسها باعتبارها نموذجاً تنموياً ناجحاً يمكن أن يحتذى في إفريقيا. وعليه فقد قدمت العون الفني لبرامج التنمية الإفريقية من خلال الخبراء الإسرائيليين، ولاسيما في مجالات الري والزراعة والصحة والتنمية المحلية، كما أن مئات الطلاب والخبراء الأفارقة قد تلقوا دورات تدريبية داخل إسرائيل، ولعل ذلك كله أسهم في كسب مزيد من الأصدقاء والمؤيدين للدولة العبرية في إفريقيا.

أهداف إسرائيل في إفريقيا

ويمكن القول بأن السياسة الإسرائيلية في إفريقيا منذ البداية كانت تطمح إلى تحقيق هدفين: أولها سياسي، ويشير إلى محاولة كسر العزلة التي فرضتها عليها مصر والدول العربية ومن سار على نهجهما من الدول النامية. وقد بات هذا الهدف أمراً ملحاً بالنسبة لإسرائيل في أعقاب مؤتمر باندونج لدول عدم الانحياز عام 1955، حيث تم تبني سياسة مقاطعة الدولة العبرية. وعليه فقد اعتمدت إسرائيل على سلاح المساعدات الفنية والتنموية للدول الإفريقية كأداة مهمة لاختراق جدار العزلة التي فرضها العرب. يقول ديفيد بن جوريون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، في خطاب له أمام الكنيست في عام 1960: "إن المساعدات التي نقدمها للدول الحديثة ليست عملا من أعمال الخير. إننا بحاجة إلى صداقة هذه الدول أكثر من حاجتها هي إلى مساعداتنا".

أما الهدف الثاني فإنه ذو طبيعة إستراتيجية، ويرجع إلى تصور كل من ديفيد بن جوريون وجولدا مائير باختراق العزلة التي فرضها العرب على إسرائيل من خلال إقامة تحالفات إسرائيلية مع القوى الإقليمية غير العربية مثل تركيا وإيران وإثيوبيا في منطقة القرن الإفريقي.

عودة الروح للعلاقات الإسرائيلية - الإفريقية

ومن الواضح أن زيارة ليبرمان الإفريقية تحاول إعادة التوكيد مرة أخرى على أهمية إفريقيا في الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي بشكل عام، وإن كان لا يخفى أن ثمة أهدافاً شخصية للوزير الإسرائيلي نفسه؛ فهو يخضع لضغوط داخلية جمة جراء توجيه تهم له بالفساد وغسيل الأموال. كما أنه يواجه ضغوطاً دولية نتيجة توجهاته الأيديولوجية المتطرفة وانتقاداته الحادة لدول الجوار الجغرافي. وباختصار يحاول ليبرمان أن يجد آفاقاً سياسية جديدة تخرجه من عزلته وحالة الحصار التي يعاني منها.

وعلى أية حال، فإن محاولة إعادة الروح للعلاقات الإسرائيلية - الإفريقية في هذه المرحلة من عالم ما بعد 11 سبتمبر 2001 تستبطن مجموعة من الأهداف الخفية والمعلنة لعل من أبرزها:

أولاً: الاعتبارات الأمنية: فثمة مخاوف إسرائيلية من انتشار الجماعات الإسلامية المتطرفة في كثير من مناطق إفريقيا، ولاسيما في بؤر التوتر والصراعات الكبرى، وفي ظل حالات ضعف الدولة أو انهيارها كما هو الحال في الخبرة الصومالية. ولا شك أن إسرائيل تنظر إلى هذه المخاوف الأمنية باعتبارها تهديداً مباشراً لأمنها القومي. ولعل الغارة الإسرائيلية على شرق السودان أوائل العام الحالي تعد مثالا واضحا على أهمية هذا البعد في السياسة الإسرائيلية تجاه إفريقيا.

ثانيا: احتواء الدور الإيراني المتزايد في القارة خلال السنوات الماضية: إذ تحاول إسرائيل من خلال إعادة التأكيد على دورها التقليدي في إفريقيا سحب البساط من تحت أقدام الإيرانيين في القارة السمراء.

ويلاحظ أن إيران بدأت منذ عدة سنوات في توسيع دائرة تحركها الإفريقية مستفيدة إلى أقصى حد من الفرص المتاحة، فإلى جانب السودان توجد علاقات إيرانية وثيقة مع كل من جنوب إفريقيا والسنغال وأوغندا. وعادة ما يتم ترويج النموذج الإيراني أفريقياً، ولاسيما في مجالات الطاقة والتنقيب عن النفط وتنمية القطاعات الزراعية والصحية وما شاكل ذلك. وقد افتتحت إيران مصنعاُ للجرارات الزراعية في أوغندا، كما أنها أقامت خط إنتاج لسيارات (ساماندا) الإيرانية في السنغال، ويلاحظ في هذا السياق أيضاً أن الفرق الطبية الإيرانية تجوب كثيراً في أنحاء القارة الإفريقية لتقديم خدماتها إلى المحتاجين.

ثالثاً: الاعتبارات الاقتصادية والتجارية: إذ تحاول إسرائيل أن تبني على تقاليد عصرها الذهبي في إفريقيا. وهي تستخدم هيئة التعاون الدولي (مشاف) التابعة لوزارة الخارجية الإسرائيلية باعتبارها الذراع الدبلوماسي الذي يسهم في تقوية علاقاتها مع الدول الإفريقية. وقد لوحظ خلال السنوات الماضية أن معظم النشاط الإسرائيلي في إفريقيا قد تركز في مجالين أساسيين هما: تجارة الماس والأسلحة. ولذلك ينظر كثير من المحللين الإسرائيليين إلى جولة ليبرمان الإفريقية باعتبارها إنقاذاً لسياسة إسرائيل الإفريقية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

ويلاحظ أن اختيار كل من نيجيريا وغانا في برنامج زيارة ليبرمان يعكس هذا التوجه الجديد في السياسة الإفريقية لإسرائيل، إذ معلوم أن الدولتين تمثلان جيلاً جديداً من القوى الاقتصادية الواعدة في إفريقيا.

رابعاً: التوكيد على أهمية إفريقيا الإستراتيجية بالنسبة لإسرائيل: حيث تحاول إسرائيل من خلال تبنيها مبدأ شد الأطراف إلى خلق بؤر للتوتر والصراع على أطراف النظام الإقليمي العربي في جواره الإفريقي. ويمكن أن نشير هنا إلى الدور الإسرائيلي في دعم حركات التمرد والعنف في جنوب السودان وغربه. ومن المعروف أن هذا المبدأ يعني خلق مناطق للتوتر تشمل الجماعات العرقية والإثنية في الدول العربية وعلى نقاط التماس العربية مع المناطق الأخرى وتقديم كافة وسائل الدعم لها من أجل تقوية نزعاتها الانفصالية والقومية.

ولا يخفى أن لإسرائيل وجهاً قبيحاً في القارة الإفريقية يتمثل في تجارة السلاح حيث يقوم بعض رجال الاستخبارات والعسكريين الإسرائيليين السابقين -وذلك نيابة عن المؤسسة الصناعية العسكرية في إسرائيل- بتصدير الأسلحة والمعدات إلى كثير من المناطق في إفريقيا. ويمكن أن نشير في هذا السياق إلى الدور الإسرائيلي في الحروب الأهلية التي شهدتها دول مثل أنجولا وليبيريا وسيراليون وكوت ديفوار. كما تورطت إسرائيل بدعم كثير من النظم الشمولية في إفريقيا.

وحتى في زمن العصر الذهبي للعلاقات الإفريقية - الإسرائيلية في الستينات وبداية السبعينات كانت إسرائيل تبيع الأسلحة وترسل الخبراء العسكريين لكثير من البلدان، كما أنها قدمت برامج التدريب العسكري لبعض النظم التسلطية مثل نظام عيدي أمين في أوغندا. وتشير كثير من التقارير إلى تورط الإسرائيليين في الانقلابات العسكرية في أوغندا وزنجبار في الستينات، أو على الأقل أنها كانت على علم مسبق بها.

تراجع عربي واختراق إسرائيلي

ومن الملفت للنظر حقاً أن إفريقيا تنظر إلى وزير الخارجية الإسرائيلية باعتباره يحمل في جعبته ما يحتاجون إليه بعد أن تخلى عنهم إخوانهم وجيرانهم من العرب؛ فالاتهامات التي توجه للوزير ليبرمان باعتباره يمينياً متطرفاً لا تعنيهم في شيء. ولعل ما يفتح الطريق أمام عودة إسرائيل إلى إفريقيا هذه المرة هو تراجع الدور العربي ولاسيما المصري في إفريقيا. وبالتالي يمكن لإسرائيل أن تنتهز هذه الفرصة السانحة لتعيد أمجادها في إفريقيا، ولكن هذه المرة من أجل الحصول على نصيب معلوم من الثروة والنفوذ.

وأيا كان الأمر فإن غير المعلن في زيارة ليبرمان الإفريقية يتمثل في النظر إلى إفريقيا باعتبارها بوابة خلفية لاختراق منظومة الأمن القومي العربي، وقد ظهر ذلك جلياً في الأيادي الإسرائيلية التي حاولت العبث في ملف نهر النيل للضغط على الإرادة المصرية... فهل نعي نحن المصريون والعرب أبعاد الدرس الإسرائيلي في إفريقيا؟!

د. حمدي عبد الرحمن حسن



 
ضع إعلانك هنا


جميع الحقوق محفوظة - حزب النجادة 2017