najjadeh.org
الاربعاء ، 28 حزيران ، 2017
 
كيف تنتسب الى الحزب
  
شارك برأيك  
هل تؤيد توزير الخاسرين في الإنتخابات النيابية الأخيرة
  نعم
  لا
  لا يهمني

   
 
صوت النجّادة العودة
 
 
السويد.. من دعم الصهيونية إلى تفهم المعاناة الفلسطينية
في يوم 23 مايو 2008، وفي مدينة جوتنبرج، ثاني أكبر المدن في مملكة السويد، قام مائتا مواطن يهودي أوروبي بالاحتشاد في كبرى ساحات المدينة، رافعين الأعلام الإسرائيلية، احتفالاً بالذكرى الستين لنشأة دولة إسرائيل.

الوجود الفلسطيني في تلك المدينة أعلى كثيرا من نظيره اليهودي، كما في بقية مناطق ومدن السويد؛ فقام أبناء من الجالية الفلسطينية في نفس اليوم بالالتفاف حول المتظاهرين اليهود من كل جانب، وأفسدوا احتفالهم، الذي هو ذكرى نكبتهم وتشريدهم وتغريبهم عن وطنهم الأم، فلسطين.

في نفس اليوم اجتمع أبناء الجالية الفلسطينية وقرروا تخصيص مثل هذا اليوم (23 مايو من كل عام) لتنظيم "اليوم الوطني الفلسطيني في السويد" في مدينة جوتنبرج لتعريف الرأي العام السويدي والأوروربي بالنكبة وآثارها وبمعاناة الفلسطينيين. وبالفعل نظم الفلسطينيون بالسويد أول احتفال بهذا اليوم في 23 مايو 2009 حضره أعضاء الأمانة العامة لاتحاد الجمعيات والروابط الفلسطينية في السويد والعديد من أبناء الجاليات العربية المسلمة المسيحية بالمدينة، وشارك فيه ممثلو البعثات الدبلوماسية العربية وشخصيات سياسية وحزبية قيادية من أكبر الأحزاب السويدية وعدد منم المواطنين المتضامين مع الفلسطينيين.

استنفار الجالية اليهودية

هل لهذا الحادث ارتباط ما بالهجوم الإسرائيلي الإعلامي والسياسي الراهن ضد السويد؟.

الإجابة قطعاً نعم. فإسرائيل تعمل في السنوات الأخيرة على إعادة استنفار داخل ما تبقى من الجالية اليهودية في السويد، حيث يلاحظ أن الوجود الفلسطيني في الدول الإسكندنافية عموما له تأثير قوي على الرأي العام بهذه الدول؛ وهو الأمر الذي أرغم الدوائر اليهودية والصهيونية مؤخراً إلى محاولة دفع قدراتها من أجل العودة لدروها القديم في هذا البلد لاحتواء الشارع السويدي والتصدي للنشاطات الثقافية والإعلامية الفلسطينية في السويد؛ فقامت بتجنيد مجموعات من اليهود من أجل هذا الأمر، وأنشأت في عام 2005 مؤسسة جديدة تحت اسم "إنفورماشون جروبن" برئاسة "إيلي مائير"، ومهمة هذه المؤسسة: (التصدي لكل نشاط معادٍ لإسرائيل، والرد على كل ما يكتب ضد السياسة الإسرائيلية في السويد عبر وسائل الإعلام المختلفة، والتركيز على النشاط الفلسطيني ومتابعة ندوات ومحاضرات ومعارض الفلسطينيين التي تقيمها المؤسسات السويدية للتشويش على نشاط الفلسطينيين في هذا البلد ووصفه مثل هذه بـ "معاداة السامية"...)

تاريخياً كانت السويد -الدولة الأكبر في شتى النواحي بين الدول الإسكندنافية- محل اهتمام الحركة الصهيونية العالمية بعد أن فتحت السويد مجالات العمل أمام أبناء الجالية اليهودية في عام 1838، وتزايد عدد اليهود وتوسع نفوذهم في منتصف القرن التاسع عشر خاصة في أستوكهولم (العاصمة) وجوتنبرج، وتمتعوا بحقوق المواطنة الكاملة في عام 1870. ومع تزايد أعداد اليهود الوافدين للسويد في بدايات القرن العشرين، انتخب منهم 10 أعضاء في مجلس برلمان أستوكهولم و10 آخرون في مجلس برلمان جوتنبرج.

ولما كانت السويد دولة وقفت على الحياد في الحرب العالمية الأولى ثم في الثانية؛ فقد تكثفت هجرة اليهود من بعض الدول الأوروبية، وخاصة ألمانيا، بعد تسلم النازيين الحكم في ألمانيا في عام 1933.

وعلى عكس ادعاء وزير خارجية إسرائيل "ليبرمان" الذي اتهم السويد بالتخلي عن اليهود وقت مذبحة النازي، وهو الادعاء الذي هاجمته وكذبته حتى وسائل الإعلام الإسرائيلية، كانت السويد أحد الملاذات الآمنة لليهود في ظل اتساع معاداتهم في أوروبا وحملات الإبادة التي وقعت لهم على أيدي النازيين؛ بل إن الحركة الصهيونية نشطت بالسويد خلال الحرب العالمية الثانية، وتمكن رئيس الجالية اليهودية آنذاك (د. ماركوس إيهرنبرايس)، أحد أقطاب الحركة الصهيونية العالمية، والذي كان من أهم المتعاونين في نهاية القرن التاسع عشر مع تيودر هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، والأمين المساعد لـ "حاييم وايزمان، زعيم الحركة الصهيونية في عام 1914، من جعل أستوكهولم مكاناً آمناً لقادة الصهيونية ومركزا للتواصل بين شرق أوروبا وغربها أثناء الحرب. كما لعب دوراً بارزاً في إقناع الرأي العام والإعلام السويدي والحكومة أيضا -في وقت كانت تعيش فيه السويد في ظل الاشتراكية- بممارسات اليهود في فلسطين، وبما تطبقه من إنشاء التعاونيات والكيبوتات وغيرها من مظاهر اشتراكية.

وبعد انتهاء الحرب ثم قيام إسرائيل عام 1948، قام الاتحاد الصهيوني العالمي بتهجير غالبية اليهود اللاجئين في السويد إلى أرض فلسطين المحتلة. وفي المقابل بدأ اللجوء الفلسطيني مبكرا إلى السويد في الخمسينات، وتزايد بشكل كبير في السبعينات بعد حرب يونيو 1967، وخاصة من دول عربية مثل لبنان وسوريا ومصر والعراق والأردن، ومن قطاع غزة والضفة الغربية، ومن عرب 1948.

ومع أنه لا يوجد إحصاء دقيق لعدد الفلسطينيين في السويد، سيما وأن الغالبية منهم تحمل جوازات سفر عربية وإسرائيلية أيضا، إلا أن بعض المصادر الفلسطينية في السويد تؤكد أن عددهم يتراوح بين 30 و40 ألفا، ينتشرون في أكثر من 11 مدينة سويدية. وبدأ الفلسطينيون منذ تواجدهم بالسويد في تأطير أنفسم ضمن تنظيمات شعبية وسياسية فلسطينية، إضافة للمشاركة في الأحزاب والتنظيمات الشعبية السويدية في مختلف الأنشطة الرياضية والفنية والعلمية وغيرها.

رويداً رويداً، ومع كثافة النشاط الفلسطيني في المدن السويدية، إلى جوار المذابح التي ترتكبها إسرائيل ضد العرب، وخاصة منذ حرب لبنان 1982 وحتى اليوم، نشأ نوع من التعاطف الشعبي السويدي مع القضية الفلسطينية، وباتت هناك أصوات سياسية وحزبية ترى في إسرائيل دولة عنصرية وتطالب بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. ولم يمنع ذلك أيضا من قيام علاقات وثيقة بين السويد وإسرائيل، سيما وأن السويد عضو بالاتحاد الأوروبي.

ليست السابقة الأولى

وعلى الرغم من أن التوتر الراهن بين السويد وإسرائيل ليس مبعثه الأساسي وقوف الحكومة السويدية إلى جوار الفلسطينيين في القضية التي أثارتها صحيفة "أفتونبلاديت"، أكبر الصحف السويدية، حول قيام الجيش الإسرائيلي بعمليات اختطاف لشباب فلسطينيين ثم إعادة جثثهم إلى ذويهم مسلوب منها بعض الأعضاء، بقدر ما هو دفاع المسئولين السويديين عن حرية الرأي والتعبير وقدسية الصحافة في بلادهم واحترام الدستور (وهو تماماً ما حدث من قبل الحكومة الدنماركية في تعاملها مع أزمة الرسوم المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وعندما رفض القضاء السويدي في سبتمبر 2007 طلب الأقلية المسلمة بملاحقة صحيفة نريكس إليهندا التي نشرت رسوما مسيئة، مع الفارق طبعاً بين الحدثين)؛ فإن كل المسئولين الإسرائيليين من اليمين واليسار هاجموا الحكومة السويدية والإعلام السويدي بقسوة شديدة وافتعلوا أزمة سياسية ودبلوماسية مع السويد تحت ذرائع "معاداة السامية" والحديث عن "فرية الدم" واستخدام "الهولوكست" وبروتوكولات "حكماء صهيون" لمطالبة الحكومة بالاعتذار لإسرائيل لما نشرته الصحيفة وليس فقط استنكار أو التنديد به.

ومما لا شك فيه أن إسرائيل تسعى عبر تضخيم هذه الواقعة التي تعود إلى عام 1992 والتي تناولها كاتب المقال "دونالد بوستروم" مرات سابقة من قبل، إلى التهرب من جرائم أخرى أشد خطورة وآخرها ما وقع من جرائم حرب خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، أي تهويل مسألة أقل للفكاك من قضية أكبر، خاصة مع إشارة منظمة "هيومان رايتس ووتش" إلى تعمد الجيش الإسرائيلي قتل 11 مدنياً فلسطينياً رغم أنهم رفعوا الرايات البيضاء.

وكذلك تسعى إسرائيل إلى تضخيم ما نشرته الصحيفة لتجنب الربط بينها وبين فضيحة الفساد التي هزت ولاية نيوجيرسي الأمريكية نهاية يوليو الماضي، حيث اعتقلت السلطات الأمريكية 44 شخصا، من بينهم رؤساء بلديات في الولاية وعدد من الحاخامات والسياسيين ويهود آخرين للتحقيق معهم بتهم التجارة في الأعضاء البشرية.

أكثر من ذلك، فإن شبهة استغلال الحدث سياسياً من قبل المتطرفين في الحكومة الإسرائيلية واضحة تماماً، فهم يسعون إلى تجنب الانتقادات بشأن ما يحدث من تمييز وعنصرية في الداخل الإسرائيلي وبالممارسات اليومية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس المحتلة، والرد جاهز والتهمة حاضرة؛ فإسرائيل تخلق هجوماً دبلوماسياً استباقياً لكل من يعارضها، ولا مبرر لذلك سوى المس بقدسية "السامية" و"الهولوكست" بل و"اليهود" أو "أي يهودي" لأنها تدرك أن الغرب ذا المعايير المزدوجة سيقف صامتاً، وتهمة معاداة السامية جاهزة للرد على كل من ينتقد إسرائيل، ودساتير أوروبا مليئة بعقوبات شتى على كل من يشكك في الهولوكست.

والدليل على ذلك أن الانتقادات لحكومة إسرائيل من السويد لم تأت فقط من المسئولين أو من وسائل الإعلام السويدية، بل من الجالية اليهودية في السويد ذاتها، رغم أن إسرائيل تسعى لتعزيز دورها السياسي لصالحها، حيث استغربت رئيسة الجالية اليهودية في السويد، لانا بوزنر، الموقف الإسرائيلي الرسمي الداعي إلى إدانة الحكومة السويدية لمقال الصحيفة، قائلة: "التصريحات الإسرائيلية في هذه القضية ضخمت الموضوع بعيداً عن أي تناسب"، ورأت أن إسرائيل حولًت هذه القضية اللاسامية إلى نقاش حول حرية التعبير في السويد".

وفي رده على هذه الانتقادات الإسرائيلية، رأى يان هيلين، رئيس تحرير صحيفة أفتونبلاديت، أن "إسرائيل تجاهلت القضية الأساسية عندما اعتبرت أن المقال يحتوي على افتراءات معادية للسامية (لست عنصريا أو ضد السامية ولم يكن هدفي من نشر التقرير لأغراض سياسية أو للشهرة) وجنحت إلى الحديث عن اتهام الأوربيين لليهود في العصور الوسطى باستخدام دماء أطفال رضع مسيحيين في طقوس خاصة بهم".

وأضاف هيلين: "إن يمينيين في إسرائيل، وخصوصا ليبرمان، استغلوا التقرير لغاياتهم الشخصية.. وأنا بإمكاني فقط أن أتكهن بأسباب هذا الاستغلال... لقد خاب أملي من حكومة إسرائيل وأحزنني رؤية كيف أن متطرفين يستخدمون التقرير كدعاية فظة، وأن آراء حكومة إسرائيل باتت معزولة في العالم، وبرأيي يجب فهم ردود فعل الجهات الرسمية فيها على أنها مرتبطة بأفكار محلية داخلية في إسرائيل، وهذه الآراء تلحق ضررا بإسرائيل".

لقد قرر المسئولون الإسرائيليون تحويل قضية إنسانية، أو بالأحرى قضية حرية الرأي والتعبير في السويد، إلى معاداة للسامية ووجود فرية دم سويدية، شأن أي انتقاد يوجه إليهم، بل وانقلب نقاش جلسة مجلس الوزراء يوم 23 أغسطس الجاري إلى مبارزة في توجيه النقد لحكومة السويد والاستياء من الصحيفة السويدية ولموقف أستوكهولم الرافض تقديم الاعتذار أو إدانة ما نشرته الصحيفة. ووصف رئيس الوزراء نتنياهو تقرير أفتونبلادت بأنه (فرية دم)، وأعلن أنه "لا يتوقع اعتذاراً عليه من الحكومة السويدية فقط، وإنما إدانة له ولرياح العداء للسامية التي تهب منه".

وواضح أن إسرائيل تحاول استغلال هذه القضية أيضاً عشية زيارة وزير خارجية السويد، كارل بيلدت، الذي تترأس بلاده مجلس الاتحاد الأوروبي الآن لصرف الأنظار عن التكليف الأوروبي لـ "بيلدت" بوقف الاستيطان، خصوصاً في القدس.

لكن الأهم من ذلك أن إسرائيل تحاول الرد بقوة على العديد من مواقف السويد التي وقفت ضد أو لم تؤيد سياسات إسرائيل بالمطلق في الأراضي الفلسطينية، وخاصة في السنوات الأخيرة.

ويمكن ذكر بعض الأمثلة التي تؤكد محاولة إسرائيل الانتقام من السويد على الرغم من الصداقة الوثيقة عموما بين الدولتين، ففي إبريل 2002 وجهت وزيرة الخارجية السويدية "أنا ليندا" نقدا شديدا للتحالف الأمريكي الإسرائيلي، واتهمت أمريكا بإطلاق يد إسرائيل لممارسة المذابح في مدن الضفة الغربية (مذبحة جنين)، وذكرت أنها بشكل شخصي ستباشر حملة لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية، بل إنها قامت بطباعة آلاف النسخ من كتاب يتحدث عن الدين الإسلامي باللغة السويدية وافتتحت توزيع الكتب بنفسها في احتفال في المركز الإسلامي باستوكهولم، لأنه ينبغي على الشعب السويدي أن يتعرف على الحقيقة المتعلقة بسماحة التعاليم الإسلامية.

وقد اغتيلت هذه الوزيرة في بدايات عام 2003 طعناً بالسكين في أحد المتاجر باستوكهولم على يد مجهول، وربما تكون دفعت حياتها ثمناً لمناصرة القضية الفلسطينية في هذا الوقت.

وفي عام 2004، اندلعت أزمة دبلوماسية بين إسرائيل والسويد عندما أقدم السفير الإسرائيلي في السويد، زيفي ماتسئيل، على تحطيم عمل فني يمثل الاستشهادية الفلسطينية "هنادي تيسير جرادات" في معرض "الاختلاف الدولي السويدي حول الإبادة"، وكاد السفير أن يحرق المعرض، وطلبت إسرائيل إلغاء عرض هذا العمل الفني تحت ذريعة عد\م استخدام حرية التعبير لبث العنف، ورفضت السويد طلب إسرائيل.

وفي عام 2006، أثارت السويد غضب إسرائيل بسحب قوات جوية من مناورات عسكرية للقوات متعددة الجنسيات لحفظ السلام جرت في إيطاليا في شهر مايو بسبب مشاركة طيارين إسرائيليين. وجاء ذلك على خلفية توتر علاقة البلدين في شهر إبريل من نفس العام حين نشرت أنباء عن موافقة أستوكهولم استقبال وفد كبير من الحكومة الفلسطينية التي تقودها حركة حماس، وقدمت إسرائيل احتجاجا لسفير السويد بإسرائيل بسبب منح بلاده تأشيرات دخول لوزراء في  الحكومة التي شكلتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بعد فوزها في الانتخابات التشريعية في يناير 2006.

وفي نفس العام، وبعد انتهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان، اعتزمت السويد تنظيم مؤتمر دولي حول لبنان لتقديم المساعدة الإنسانية وإعادة الإعمار الفوري للبنان، بالتعاون بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة، إلا أنها واجهت انتقادات عنيفة من منظمة يهودية عالمية مكرسة لحماية ذكرى ضحايا محرقة اليهود، هي "مركز سيمون فيزنتال شيمون صموئيل"، اتهمت السويد بغياب الحياد وبالانحياز ضد إسرائيل، واتهم المركز اليهودي السويد في بيان له بممارسة الإقصاء والتمييز، وعبر عن أسفه "لأن 60 دولة ووكالة لتقديم المساعدة ومنظمات غير حكومية دعيت إلى أستوكهولم في 31 أغسطس 2006، لكن لم تدع إسرائيل ولا المنظمات غير الحكومية اليهودية المعنية مثل مركز سيمون فيزنتال".

إبراهيم غالي



 
ضع إعلانك هنا


جميع الحقوق محفوظة - حزب النجادة 2017