najjadeh.org
الثلثاء ، 17 تشرين الاول ، 2017
 
كيف تنتسب الى الحزب
  
شارك برأيك  
هل تؤيد توزير الخاسرين في الإنتخابات النيابية الأخيرة
  نعم
  لا
  لا يهمني

   
 
صوت النجّادة العودة
 
 
عمال الفحم بالمغرب يفرون من الفقر إلى الموت

ما بين عشية وضحاها تحول عمال الفحم بشركة مفاحم جرادة بالمغرب من موظفين يعملون في مناخ آمن توفره لهم الشركة إلى مواطنين ذوي حاجة يضحون بحياتهم من أجل كسب لقمة العيش.

التحول في حياة هؤلاء العمال كان وراءه قرار اتخذته الدولة بإغلاق الشركة وتسريح العمال، فلم يكن أمامهم للهروب من الفقر سوى الارتماء في أحضان آبار الفحم، غير عابئين بخطر الموت الذي يلاحقهم إما داخل الآبار، أو على المدى البعيد بفعل البيئة غير الصحية لهذا العمل.

وأغلقت شركة جرادة عام 1998؛ حيث سقطت ضحية سوء التدبير والاختلاسات، بعد أن كانت تحقق موارد مالية تصل إلى 800 مليون سنتيم شهريا في مرحلة الستينيات والسبعينيات.. وبدلا من أن توفر الدولة فرصة عمل بديلة لسكان المدينة الواقعة على الحدود مع الجزائر اكتفت بتعويضات مادية هزيلة وأسقطتهامنبرامجها الحكومية؛ لتجعل أهلها يتجرعون مرارة الموت والأمراض الفتاكة في سبيل كسب لقمة العيش.

ورغم كثرة حوادث الوفاة، أقربها موت مواطنين الأسبوع الماضي داخل آبار الفحم، إلا أن سكان المدينة يرفضون التخلي عن هذه المهنة الخطيرة، بحجة أن الموت واحد.

ويقصدون بذلك أن الذي يخاف أن يموت داخل الآبار قد يموت هو وأفراد عائلته من الفقر والجوع، وسجلت نسبة الفقر بين سكان المدينةأكثر من 30% سنة 2005 ، حسب إحصاء المندوبية السامية للتخطيط.

كل الأعمار

ولا يقتصر العمل بهذه المهنة على الكبار فقط، ولكن يشاركهم الصغار أيضا، ومن المشاهد المعتادة رؤية مجموعات من الرجال، ومعهم بعض الأطفال الذين لا يتجاوز عمرهم أحيانا 15 سنة، يحفرون بئرا، أو ما يسميه أبناء المنطقة بـ"الساندريات"، التي قد يصل عمق "الساندرية" إلى أزيد من 30 مترا، وكلما زاد العمق كلما زادت خطورة العمل.

وتحفر هذه الآبار بهدف التنقيب عن الفحم الحجري الذي تشتهر به المدينة، ويقومون بتعبئته في أكياس تمهيدا لبيعه، وتصل الأكياس الفحمية التي يتم استخراجها بشكل يومي إلى 70 كيسا لكل "حاس" أو بئر، ويتم بيعه بـ 26 درهما كأقصى تقدير.

جامعيون بالمهنة

وكما تستوعب المهنة كل الأعمار تستوعب أيضا كل المستويات التعليمية، ويعمل بها المتعلمون والذين لم ينالوا حظا من التعليم، على حد سواء.

 منعم العابدي شاب في الرابع والعشرين من العمركان يظن أن بمقدوره أن يكون له حظ أفضل من بعض أقرانه، وتابع دراسته إلى أن حصل على الإجازةفي الأدب العربي، ورغم ذلك لم يجد أمامه سوى فوهة "الساندريات"، مفتوحة أمامه ليبحث داخلها عن مورد للعيش.

لم تكن التجربة بالنسبة له سهلة؛ فكما يحكى لـ"إسلام أون لاين.نت" فإن مجرد النزول إلى أعماق البئر يثير رعبا كبيرا في النفوس.

ويقول: "حاولت مرة ولم أستطع أن أعيد كرة النزول مرة ثانية، رغم أن الأجر مغر يتجاوز أحيانا مائة درهم يوميا، واكتفيت بأجر بين 50 و 60 درهما مقابل العمل خارج البئر".

ويصف منعم محنة العاملين بالمهنة بالأكثر من قاسية، وبعبارات تختلج الكثير من الألم والتحسر بعد أن تحطمت أمانيه بمستقبل أفضل على صخور فحم جرادة،يقول:"ماذا عساي أن أفعل، هل أمضي اليوم كاملا بالمقهى؟!.. جرادة ليس بها مكان آخر لكسب الرزق غير (الساندريات)".

داخل "الساندرية"

عبد الله عيناوي أيضا من الضحايا الذين وأدتهم جرادة أحياء، عمره 20 سنة، درس إلى الباكالوريا، وبدأ العمل في هذا المجال منذ شهرين، ولم يجد كصديقه منعم غير "الساندريات" تفتح ذراعيها لاحتضان الضحايا.

 بالكثير من المكابرة في إخفاء حزنه وألمه، وشدة الرعب التي تعتصره كلما بدأ يصف ظروف العمل بالساندرية يحكي عيناوي لـ"إسلام أون لاين": "مات الكثيرون دون أن يشعر بهم أحد، دفعوا أرواحهم ثمنا لبضعة دراهم لا تسمن معيلي الأسر ولا تغنيهم من جوع".

وبابتسامة ساخرة تخفي الكثير من الألم، يؤكد أن الوضع في أسفل البئر قاس للغاية، وأنه كثيرا ما تعرض لضربات أحجار في رأسه جراء تدحرجها من القمة، لكن الله ستر، ولم يخف خوفه من الموت المحدق به، ويقول: "من يعيش في تلك المنطقة إما يموت باحثا عن لقمة العيش أو يموت من الجوع".

ويضيف عيناوي الذي يعول أما مسنة وسبعة إخوة: "أودع أمي كل صباحوداعالمحارب الذي قد يعود أو لا يعود".

ونفس الشيء يفعله حسن الفراخي "34 سنة"، ويحكي لـ"إسلام أون لاين" عن مأساوية الظروف التي يعمل فيها، مؤكدا أنه شهد حالة وفاة أسفل البئر؛ إثر سقوط الأحجار على الضحية، فلم يتمكن زملاؤه من إسعافه؛ لأنه لفظ أنفاسه الأخيرة قبل الوصول إلى مستشفى الفارابي بوجدة التي تبعد عن المنطقة بأزيد من ثلاثين كيلومترا.

طريقة العمل

ولا يتطلب العمل داخل "الساندريات" أي مهارة، ولا طريقة للتعلم، بل يرتكز على المجهود العضلي فحسب، وأغلب الذين يعملون أسفل البئر هم أناس سبق أن اكتسبوا التجربة أثناء فترة عملهم بشركة مفاحم جرادة، ولديهم طرقهم الخاصة في التنقيب عن الفحم.

وعادة ما يبدأ الدوام من الساعة السادسة صباحا وينتهي في حدود الثانية زوالا، لكن أحيانا قد يدوم العمل أكثر من ذلك، ويسمى الرجل الذي يحفر في أسفل البئر بـ"مينور"، ويستعين بآلة للحفر، ويضرب آخر الأرض "بالمارطو" فيسقط الفحم، ويجمعه العمال الذين برفقته في الأسفل؛ إذ عادة ما يعمل 4 أشخاص في الأسفل وأربعة في الأعلى، ويملئون منه أكياسا، فتتم المناداة على العمال الذي يتواجدون في أعلى البئر ليتم سحب الأكياس.

وفي بعض الأحيان يعملون في مسافة قليلة جدا لا تتجاوز الخمسين سنتيمترا عرضا، بحيث يستلقي العامل على الأرض أسفل البئر، ويحفر الفحم بيده، غير أن الحوادث تودي بحياة الكثيرين منهم جراء تساقط الصخور من أعلى جدار البئر، أو قد يتعرض العامل إلى حادث نتيجة عملية الصعود أو الهبوط، وقد يصاب بالاختناق في الأسفل نتيجة كثرة ثاني أكسيد الكربون، وحتى إن نجا العامل من هذه الأخطار فمآله إلى مرض "السليكوز" الذي يقعده على الفراش وينهش من أعضاء جسمه الواحد تلو الآخر حتى الموت؛ وهي حوادث عديدة يعرفون أنها ستصيبهم في أي وقت، غير أن صعوبة العيش فرضت عليهم خوض المغامرة.

الميت المحظوظ!

بنهلو محمد، البالغ من العمر 48 سنة والأب لسبعة أبناء أكبرهم لا يتجاوز 15 سنة، أحد هؤلاء الذين خاضوا تلك المغامرة، وكانت النتيجة إصابته بمرض "السليكوز" الذي أنهك جسده.

والسليكوز مرض ناتج عن مضاعفات استخراج الفحم الحجري ويصيب الرئة والقلب، فيدخل المريض بعد ذلك في مرحلة الموت البطيء إلى أن ينتهي أجله.

ورغم مأساوية هذه القصة إلا أن بطلها على الأقل سيموت على فراشه، في الوقت الذي يحول فيه عمق الآبار من إنقاذ العمال الذين يتعرضون للحوادث داخله، ويكون ردم البئر مباشرة بعد أن يلفظ العامل أنفاسه الأخيرة هو القرار الذي يتم اتخاذه، فيتحول المكان من بئر لاستخراج الفحم إلى قبر يؤوي العامل.

سميرة أيت امحند



 
ضع إعلانك هنا


جميع الحقوق محفوظة - حزب النجادة 2017