najjadeh.org
الثلثاء ، 28 اذار ، 2017
 
كيف تنتسب الى الحزب
  
شارك برأيك  
هل تؤيد توزير الخاسرين في الإنتخابات النيابية الأخيرة
  نعم
  لا
  لا يهمني

   
 
نظرية التمويل بالنمو العودة
 
 


منفذية الشؤون الاقتصادية
مركز الدراسات والبحوث الإقتصادية


مشروع هندسة إصلاح الوضع الاقتصادي والنقدي اللبناني

نظرية التمويل بالنمو


للمفكر الاقتصادي

محمـــد ياســـر الصبـّــــــان


شبــــاط   1999

 

 

 

مع بداية كل عهد جديد بدء، يتجدد الأمل بالإصلاح. ولكن معظم اللبنانيين، يتساءلون عن مدى النجاح الاقتصادي والاجتماعي، الذي يمكن أن تحققه إرادة الإصلاح، في مواجهة الأزمة المتمثلة بالدّين العام المرتفع، مقابل التراجع الحاد في معدّلات النمو.
والحق، أن هذا التساؤل هو في غير محله. لأن السؤال يجب أن يصاغ بواقعية، حول إمكانية الاستفادة من الفرصة السانحة لتحقيق الإصلاح، خصوصا وهو مدعوما بالثقة والتأييد الشعبي العارم، بعدما تفاقمت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، مع ما رافق ذلك من فساد واتهامات ومهاترات سياسية.
 والكلام عن الأزمة، سواء كانت اقتصادية، أم اجتماعية، أم قضائية، أم استشفائية، أم تعليمية، أم كهربائية، أم إدارية، هو كلام عن فساد السلطة وأهل البطانة، وهذا لا يعني الجسم الإداري فقط، بل يبدأ بفساد الرأس باعتباره المثل الأعلى الذي يحتذى به. وسواء كان الرأس عالما بالفساد وساكتاً عنه، أم غير عالم به مع وجوده، أم كان هو نفسه منخرطا فيه، فان النتيجة تبقى واحدة.
 وإذا كان من طبيعة الناس التي تميل، مضطرة، إلى مسايرة الفساد من أجل تأمين أمورها الحياتية، فإنهم في الوقت نفسه، يبحثون عن الإصلاح بكل أمل. ولذلك فهي تستشعر هذا الأمل بأي فرد في السلطة، وتسعى لمعاونته والدفع بمبادئه الإصلاحية إلى الأمام. والمجتمع اللبناني يندفع دائماً في تأييد كل عهد جديد واضعاً آماله ونفسه ومعرفته في تصرف العهد الجديد، متأملين أن يشكل نقلة نوعية في الإدارة السياسية، خصوصا وإن النظرية لم تصل بتطورها بعد إلى حدّ فرض الصلاح على الجسم الحاكم. ولعل كل عهد جديد يتمكّن، من خلال فريق عمله الذي لا بدّ وأن يكون على قدر المسؤولية، من اختراق هذا الفساد المستشري فيجنّب اللبنانيين كأس البؤس والفقر الذي ينحدرون إلى تجرعه… فترتفع معدّلات النمو الاقتصادي، ويتمكن المجتمع من تسديد الديون المترتبة عليه من غير مضاعفات جانبية.
 وإننا، بعد ما شاهدنا وسمعنا وقرأنا العديد من وجهات النظر الاقتصادية واستشعرنا إخلاص أصحابها، لاحظنا وجود ثغرات أساسية في فهم طبيعة النمو الاقتصادي ومنابعه، حيث انساق الباحثون تلقائيا إلى الموافقة، على الآراء التقليدية مثل : " تفعيل الجباية ".. و" تخفيض العجز في الموازنة ".. " تسهيل التبادل بالعملات الصعبة "  .. ومتابعة استدراج رؤوس الأموال العالمية للاستثمار في لبنان.
 من هنا، رأينا من واجبنا أن نضع معرفتنا المتواضعة في خدمة الصالح العام، للإسهام في إخراج المجتمع من النفق المظلم الذي أدخل فيه، خصوصا وإن ما أصاب الناس ليس عقابا من السماء، ولا هو كذلك بسبب الحرب ومضاعفاتها وذيولها، كما يحلو للمتسببين أو المتورطين أن يشيّعوا ويعللوا، يجاريهم في ذلك جمهور كبير من القانطين البسطاء، الذين يستسلمون لكلام أولئك بما يشبه السذاجة… بل لأن للأزمات أسبابا موضوعية علمية، تحصل بسببها وتتراجع بتراجعها، حتى أن الحرب في أحايين كثيرة هي أحد أسباب النهوض الاقتصادي. ما حدا بالعالم الاقتصادي الإنكليزي (مالتوس)، إلى الاعتقاد أن الحروب هي وسيلة الطبيعة لنفض الغبار عن شح مواردها، وإن الكوارث تكون في العادة، سببا في النمو والبحبوحة.
وأننا نأمل من فريق عمل رئيس الدولة، ومستشاريه الاقتصاديين والماليين، الأخذ بجدلية العلاقة بين النظرية الاقتصادية والنظرية المالية في خططهم الموضوعة، ولعل المشرّع أيضا، يأخذ النظرية الاقتصادية – الاجتماعية بعين الاعتبار حين يرسم القوانين… وعندها يستحيل الأمل حقيقة، وتكون السنوات الست القادمة، أعوام بحبوحة يسجلها التاريخ في كتب المستقبل، علامات تحوّل عظمى في حياة الوطن، تماما كما كانت سنوات حكم الرئيس الأميركي روزفلت، مرحلة انتقال الولايات المتحدة من دولة منهارة مفلسة إلى دولة عظمى.
 والواقع، أن دولتين تمكنتا من تحقيق معجزات اقتصادية في هذا القرن، هما الولايات المتحدة واليابان، وكلتاهما  أخذتا بجدلية العلاقة بين المال والثروة، التي كان قد وصفها عالمان اقتصاديان هما جون كينز، بالنسبة لأميركا، وتوشيّو دوكو، بالنسبة لليابان. 
 وبما أن التشخيص الواعي للمرض – خصوصا إذا كان مزمنا، ومتخفيا خلف العديد من الأقنعة، التي تحجب وضوح الرؤية - هو المدخل المنطقي لوصف العلاج، حتى وإن كان هذا العلاج عملية جراحية غير مألوفة،علما أن طرق العلاج المألوفة، هي التي جرّت بلادنا إلى هذه الأزمة، وإن استمرار العمل بها هو استمرار لهذه الأزمة.
وإننا حين نسمع الغالبية العظمى من الباحثين الاقتصاديين، يرددون مقولة "تخفيض العجز في الموازنة"، أو مقولة "تفعيل الجباية"، نستنتج بكل احترام لهم، عدم انتباههم لجدلية العلاقة بين النقود والثروة. وهنا لا يشفع للمسؤول نظافة كفه، وصحوة ضميره، وعزمه الأكيد على تحقيق الإصلاح والنهوض… ذلك أن هذه الأزمة الموروثة، قد ساهم في وجودها أمران : قلة الخبرة في التخطيط  الاقتصادي من جهة، وفساد الإدارة والهدر والرشوة من جهة أخرى. فنظرية الضرائب والرسوم والجباية، هي أمر موروث من عصور بداية التاريخ الاجتماعي للإنسان، وهي كانت مقبولة ومبررة، حين كانت النقود صكوك معدنية نادرة ومحدودة المصادر، فلا يستطيع الحكام الإنفاق دون جبايتها، وإذا شفعت الإصدارات النقدية الورقية، المرتبطة بالاحتياط الذهبي أو الفضي أو بالدولار، لعلماء الاقتصاد في الإبقاء على نظرية الضرائب        والرسوم حتى تاريخ 15/5/ 1971، حين بدأ تعويم سعر صرف الدولار، فإن استمرار تطبيق نظرية الجباية منذ ذلك الوقت لم يعد يعني، إلا تخلفا في فهم تقنيات علم الاقتصاد، حيث أن عجز الموازنة يجب أن يكون بين 95 % و100%، والهامش البسيط للجباية أو الرسوم أو الجمارك، يجب أن يهدف فقط إلى توجيه سياسة الاقتصاد، لا إلى تمويل الإنفاق، - وشتّان ما بينهما -. وبالتالي فان تفعيل الجباية أو تخفيض العجز في الموازنة ، ما هو إلا إعاقة إقتصادية.
 أما الاحتجاج بان ارتفاع معدل العجز في الموازنة سيتسبب بالتضخم، فهو في غير محله لأن التضخم ينتج أساسا، من عوامل عدة ليس بينها - قطعا- العجز في الموازنة. هذه العوامل هي:


1.   التوسع في الإنفاق، أي أن يزيد حجم الإنفاق العام الحكومي عن مستوى الإنتاج المحلي… فارتفاع دالة الإنفاق العام عن مستوى دالة الإنتاج المحلي، يؤدي إلى فجوة تضخمية تظهر بشكل أو بآخر. فإذا تم تمويل الإنفاق العام بواسطة الضرائب والرسوم، فإن التضخم يظهر بالانكماش في القدرة الإنتاجية، وبتراجع المنفعة الحدية للعمل مع ارتفاع نسبة البطالة، حتى وإن بقي سعر صرف النقد ثابتا تجاه العملات الأخرى. أما إذا تم تمويل الأنفاق العام بالعجز في الموازنة، فإن التضخم  يظهر بتراجع سعر صرف النقد المحلي تجاه العملات الأجنبية. وفي هذا المجال، لا بد من الإشارة إلى أن الحكومات السابقة، لم تعمل ضمن خطة اقتصادية علمية، لعلاج أزمة انهيار سعر صرف النقد الوطني، بل هي نقلت ظاهرة التضخم الجامح، من خانة انهيار سعر صرف النقد الوطني تجاه العملات الأخرى، إلى خانة الانكماش وتراجع معدلات النمو وتوسيع قاعدة البطالة، وهي أزمة أخطر بكثير من أزمة هبوط سعر صرف النقد الوطني.


2.   تدخل الحكومة في قطاع الإنتاج؛ (أي أن تحل محل / أو تكون الصانع- الزارع- أو صاحب المرفق الإنتاجي)، لأنه يرفع حجم الإنفاق العام، ويزيد من كلفة السلع المنتجة على أفراد المجتمع … ومثال ذلك سعر الكهرباء، الذي يدفع المواطن اللبناني ثمنه مرتين؛ الأولى، عبر الفواتير الباهظة الكلفة. والثانية، من موازنة الإنفاق الحكومي، لتسديد العجز في موازنة مؤسسة الكهرباء، مما يرفع حجم الإنفاق العام.. بينما لو ترك إنتاج الكهرباء للقطاع الخاص، مع الأخذ بعين الاعتبار عامل المنافسة الحرة، فإن البيئة ستستفيد من سعي المؤسسات للبحث عن مصادر كهربائية أقل كلفة من المولدات الحرارية. كما أن المواطن سيستفيد من تدني أسعار الطاقة الكهربائية، إلى أقل من ربع ما يدفعه حاليا، مع خدمة حضارية ممتازة لا تؤذ الأدوات الكهربائية في المنزل أو في المصنع.


3.   تدخل القطاع الخاص في إصدار النقود. وهو اختصاص الحكومات، حيث أن إصدار النقد هو أحد أهم رموز السيادة السياسية للمجتمعات. والقطاع الخاص حين يولد النقود الائتمانية يزيد من حجم الكتلة النقدية المتداولة، يكون كأنه يرفع حجم الإنفاق العام. لأن النقود الائتمانية تكتسب قيمتها بمجرد دخولها إلى الأسواق. فيتمكن مصدّرها من الإنفاق دون إنتاج، تماما كما تنفق الحكومة بالعجز. أي أن النقود الائتمانية التي تتوالد في المصارف التجارية الخاصة، والتي تشكل أكثر من تسعين بالمائة من الكتلة المالية المتداولة، قد تظهر كأنها نقود بديلة بالشكل الخارجي، ولكنها في المضمون تعامل كما تعامل النقود الأصيلة، وبالتالي فإن مصدّرها قادر على الإنفاق ببذخ على حساب ثروة المجتمع. فيرفع من حجم الكتلة المالية المتداولة، ويتسبب بارتفاع دالة الإنفاق العام مقابل الإسراف في استهلاك الدخل المحلي والثروة العامة وبالتالي يكون أحد أهم عوامل التضخم.


4.   تعطيل قطاعات الإنتاج (وهي مصدر ثروة الأمة الحقيقية)، عن عملها بواسطة دوائر الحكومة وموظفيها الذين لم يكن الهدف من توظيف معظمهم أساسا سوى تخفيف حدة البطالة… إلا أنهم تحولوا إلى مواقع مفصلية في الإدارات، تعيق الإنتاج وتقف حائلا بين النمو وبين القادرين عليه. ففي واقع الأزمة الاقتصادية الراهنة، يقع أي تخطيط إصلاحي بين  سندان الدين العام الباهظ التكاليف، وبين مطرقة رواتب الموظفين الحكوميين، الذين في العـادة لا يكتفون برواتبهم، ولا يستطيعون رفع سقف دخلهم، إلا بتعطيل أعمال قطاع الإنتاج، الذي يعول عليه لمواجهة الأزمة. فيكبلونه بالقيود والقوانين والجباية، في الوقت الذي نحن بأمس الحاجة إليه، لتفعيل قدرته الإنتاجية، ورفع سقف معدلات النمو. هذا القطاع الإنتاجي الحيوي، بات اليوم بمعظمه خارجا عن القانون المالي والضرائبي، أو شبه مفلس بسبب سياسة الحكومات السابقة التي كانت ترى، أن علم الاقتصاد مرتبط بالجباية والرسوم وبالبطاقة الضريبية لكل مواطن. هذا مع العلم أن التاريخ الذي هو مدرسة للجميع، قد حفل بالأمثال عن العهود السيئة، التي عانت فيها المجتمعات من البؤس والفقر بسبب جور الحكام، وكانت كتـب التاريخ تذكر، أن أول أسباب البؤس والفقر الاجتماعي، مرتبط بالضرائب والجباية، وتدخل رجال الحكم من شرطة وقضاء، في الجباية والحجز على المتخلفين عن الدفع، باعتبارهم خارجين عن القانون.
كما أن الاحتجاج بأن فرض الضرائب والرسوم، هي الحالة السائدة عالميا، هو احتجاج تجيب عليه الأزمات الاقتصادية المنتشرة عالميا؛ كالوباء أو كالمرض العضال وفي دول يعتبر فيها التهرب من الضريبة، أو التلاعب بأدائها جريمة لا تغتفر. لهذا كله فان مقولة  "تخفيض العجز في الموازنة" أو مقولة "تفعيل الجباية" ما هما إلا حلول اقتصادية عفا عليها الزمن، ولا تقود إلاّ إلى الانكماش والإعاقة… وهذا ما يريد الجميع تجنبه.
وإذا كان العهد الجديد والمفترض أن يمثل حكما تنفيذيا جماهيريا، وأن ينبثق عنه حكومة تتمتع بالنزاهة والعدل والاستقامة والرغبة الجامحة في النهوض والإصلاح، أن تحدث أنقلابا نوعباً في طرائق الحلول والمعالجة للأزمة المتشعبة والموروثة، وهذا لن يكون باستئناف الحلول السابقة، حيث تلك المقدمات أدت إلى هذه النتائج وإنما بإعادة نظر شاملة وانقلابية… لأن مصلحة الوطن هي الأساس وهي الهدف. فلا تغييرا حقيقيا من دون فكر إصلاحي جديد، ولا "جديد" أن لم يغضب "القديم"…  لذلك قسمنا هذه الدراسة المكثفة إلى أربعة أجزاء، سعينا من خلالها إلى الإحاطة بجوانب الأزمة إلى أبعد الحدود، علما بأن الإحاطة الشاملة مستحيلة، ولا بد لكل جانب من دراسة مستفيضة خاصة به.
فالإصلاح الإداري والطبابة والاستشفاء والإسكان والقضاء والإعلام والتربية والتعليم والدفاع والأمن، هي مشكلات لا يمكن حصرها في هذه الدراسة الأولية، فكل واحدة منها بحاجة إلى بحث خاص، يأخذ في الاعتبار جميع أبعادها، والتأثيرات الجانبية لبعض القوانين المتعلقة بها على العامل الاقتصادي، لأنها قوانين تساهم في تخلف أهدافها كما سيأتي لاحقا.
 الجزء الأول، وهو الأهم في هذه الدراسة، إذ نعرض فيه جدلية العلاقة بين النقود وبين الثروة، والفارق بينهما، وكيف أن علماء الاقتصاد الذين قيض لهم أن يعوا هذه الجدلية، تمكنوا من رفع مستوى دولهم اقتصاديا وسياسيا.
فالولايات المتحدة الأميركية، كانت سنة 1932 ترزح تحـت وطأة كارثة اقتصادية (عرفت بأزمة الثلاثينات) إلى أن اهتدى الرئيس روزفلت، إلى الأخذ بجدلية العلاقة بين النقود وبين الثروة، متأثرا بآراء عالم الاقتصاد البريطاني اللورد جون ماينيارد كينز، كما يعرف الأكاديميون جيدا، فتحولت الولايات المتحدة الأميركية، خلال عشرة أعوام فقط، تحوّلا جذريا لتصبح أعظم قوة على الأرض وما تزال. كما أن وعي هذه الجدلية من زوايا مختلفة، مكّن اليابان التي خرجت من الحرب العالمية الثانية محطمة الاقتصاد، من أن تتحوّل خلال أقل من خمسة عشر عاما، إلى مارد اقتصادي عالمي وما تزال، وذلك بوحي من آراء "توشيو دوكو" الواعية لهذه الجدلية. ومن زاوية  مختلفة؛ وعى الاقتصاديون الفرنسيون هذه الجدلية في مطلع القرن التاسع عشر، فأخرجوا فرنسا من التخبط في الثورات والبؤس والفقر لتصبح من ثم دولة عظمى.
من هنا فان فهم هذه الجدلية هو الأساس في القرارات الاقتصادية، وهو المدخل لإخراج المجتمع اللبناني من الواقع المؤلم المتمثل في الدين العام المتفاقم، من دون الوقوف أمام مشكلة فقدان التمويل والاستثمارات الخارجية، التي يعتقد البعض، خطأ، أنها الوسيلة لتحقيق معدلات  نمو مرتفعة.
في الجزء الثاني، سنناقش مسألة مولدات الثروة أو الدخل العام، لان الثروة موجودة حولنا بوفرة.. ولكن المهم هو تجسيدها وفهم أهم مصادرها، وتفعيل هذه المصادر، خصوصا" وإن معظم القرارات المعمول بها في لبنان، تصب في خانة الاستهلاك الكثيف للثروة، من دون تفعيل مولداتها.
أما الجزء الثالث، فسنتصدى لمناقشة هامة جدا"، تتعلق بمولدات النقود، حيث يتداخل القطاع الخاص بالقطاع العام. ويعتمد الجزءان الثاني والثالث، على الفهم العميق للجزء الأول، عنينا به جدلية العلاقة بين النقود والثروة ومنابع كل منهما. فإذا عملت منابع الثروة كما يجب أن تعمل، وعملت منابع النقود كما ينبغي لها أن تعمل، فان الاقتصاد اللبناني سيحقق معدلات نمو تفوق التصور. وإننا لعلى يقين أنه لن تمضي السنة الثالثة من هذا العهد الميمون، إلاّ ولبنان متحرر من عبء الديون، ومصدّر لأبجدية  اقتصادية جديدة على المستوى العالمي، تماما كما كان مصدّرا للأبجدية العتيدة ولنور المعرفة منذ تكوينه.
 
الجزء الأول
المقدمة:

 يهدف الجزء الأول من هذه الدراسة، إلى تحليل العلاقة بين النظرية الاقتصادية والنظرية المالية، وصولا إلى معرفة بعض تقنيات الإدارة الاقتصادية للمجتمعات، خصوصا وان علم الاقتصاد، وخلافا لمعظم العلوم الإنسانية الأخرى، مازال يعاني من نقص حاد في تقنياته ومفاهيمه، بسبب بتر تطوره التاريخي. ففي حين أخذ الغرب عن باقي الحضارات الإنسانية وطوّر تقنيات معظم العلوم، فأبدع في الطب والصيدلة والفلك والجبر والميكانيكا، فهو قد بدأ في أواسط القرن السابع عشر، من نقطة الصفر في علمي الاقتصاد والاجتماع مع ما بينهما من تداخل وتفاعل . وقد فاته الأخذ بالأبحاث القيّمة لعلماء الإغريق والعرب، الذين عاصروا الحضارات القديمة ودرسوا أسباب الفقر والبؤس والانهيار… وهي أبحاث تفوق في بعض جوانبها، كل ما توصلت إليه علوم الاقتصاد الحديثة.
ومثال ذلك، أن نظرية الإنتاج بواسطة القطاع العام التي ثبت عقمها، وتخلفها عن مجاراة فعالية نمو الإنتاج في القطاع الخاص، كان بإمكان علمائها ومفكريها أن يجنبوا العديد من مجتمعات العالم، كوارث المجاعة والفساد والديكتاتوريات السياسية، لو أنهم عادوا إلى أبحاث المقريزي في دراسة أسباب المجاعة المصرية في عهد المماليك، والتي من أهمها تدخل الحكام في الإنتاج.
ومثال آخر على تخلف علم الاقتصاد، هو التواتر اللامنطقي لمقولة الاقتصاد الكلي والاقتصاد الجزئي، التي قال بها كينز. علما أن القانون الطبيعي اثبت بما لا يقبل الشك، بأن المادة متماثلة في تكوين خصائصها الفيزيائية، ابتداء من أصغر جزيء ذرّي، وصولا إلى اكبر مجرّة في الفضاء. وبناء على ذلك فقد استنسخ العلماء الكائن الحي، باستخدام أحد خلاياه. ومع ذلك فأن الاقتصاد وحده ما زال يعاني من منطق التفريق، بين الكل والجزء دون مسوّغ علمي أو منطقي، سوى التواتر المتوارث بقوة الاستمرار لا بقوة العلم والصواب. وبسبب افتقار هذا العلم، إلى آلية التطور التاريخي بشكل طبيعي، فقد افتقر تاليا إلى تقنيات القياس والمعرفة الصحيحة التي تشكل المدخل لأي بحث علمي جدّي. وتبعا لذلك، فان للحقيقة فيها وجوها عدة، علما أن للحقيقة، دائما وجه واحد.
وبسبب ذلك، فإننا نلاحظ أن الأزمات الاقتصادية تجتاح العالم قاطبة، دون تفريق بين دولة صناعية عظمى أو دولة متخلفة نامية. بل قد يكون البؤس أشد وطأة في مجتمعات الدول العظمى لتجاوره مع الثراء الفاحش.
وبما أن لبنان، يعتبر من الناحية الاقتصادية مريضا في "العناية الفائقة"، ويحتاج إلى عملية جراحية كبيرة وصعبة، وذلك خلافا لكل ما يروج من دعايات، وخداع للنفس، حول ملاءته والثقة الإقليمية والعالمية بمكانته المالية… وبما أن الجراحة الناجحة، تحتاج إلى تقنيات علمية تتجاوز المألوف المتواتر، الذي لم يحقق سوى الأزمات المتفشية كالفطر، والمتنقلة كالوباء من بلد لآخر…
وبما أن لبنان يحتاج – بحكم واقع معاناته- إلى خطة نهوض اقتصادي، تتجاوز فيها معدلات النمو العشرين بالمائة، ليتمكن من تسديد القروض المتراكمة عليه…
لذلك فقد خصصنا الجزء الأول من هذه الدراسة، للبحث في الأدوات الاقتصادية بشكل منطقي وعلمي، وليكون المدخل للجزء الثاني، الذي نرسم فيه آلية إصلاح الوضع الاقتصادي اللبناني، في مشروع خطة قد يستهجنها البعض – وهذا أمر طبيعي – ويعتبرها غريبة وخارجة عن المألوف… ولا بد من التذرع بالصبر والتجرد والموضوعية من أجل الإحاطة بها وفهمها بعمق.
 
 
الفارق بين النقود وبين الثروة

 يكتنف الفارق بين النقود وبين الثروة، غموض كثيف لا يخفى على ذوي العقول النيرة، ويتسبب بتسرب ثروات طائلة من خزائن أصحابها إلى جيوب القادرين على توليد المال، مما ينتج عنه أزمات اقتصادية على مستوى دول العالم كافة دون  استثناء. ويشكل الفهم الواضح لهذا الفارق ولجدلية العلاقة بين نمو الثروة ونمو الكتلة النقدية، المدخل الصحيح  لبناء مجتمع سليم قائم على أسس وقواعد من المعرفة، متينة ومنيعة ضد الفقر والبؤس والارتهان.
فالنقود التي هي الوسيلة الأساسية للتبادل التجاري وانتقال الثروة، ليست ثروة بحد ذاتها، بل هي خزّانات أو أوعية معبأة بمادة الثروة التي لا تنتقل ولا يمكن ملاحظتها إلا بها. ولكن، بينما تتولد الثروة في المصانع والمزارع والمؤسسات الإنتاجية والآبار، والعقول البشرية .. تتوالد النقود في المصارف. أي أن منبع كل منهما بعيد جدا عن الآخر، ويختلف عنه بشكل جوهري. ولكن النقود بمجرد ولادتها من نبعها الخاص تعبأ بالثروة المولودة في مكان آخر.  وإذا لم تتوالد ثروة متجددة من ينابيعها، فإن النقود تعبأ، عن طريق انسياب الثروة من النقود، الموجودة أصلا في التداول إلى النقود حديثة المولد.
والعلاقة الجدلية بين النقود وبين الثروة، هي تماما كجدلية العلاقة بين الطاقة الكهربائية (الأمبير)، وبين سيولة التمديد (الفولت)، حيث تتماثل الثروة مع الأمبيراج، وتتماثل النقود مع الفولتاج. وتاليا، فان مجموع ثروة الفرد أو المجتمع، هي حاصل ضرب سيولة التمديد بالطاقة الموجودة في كل وحدة. أو: عدد الوحدات النقدية بالثروة المخزونة  في كل وحدة. وهي قاعدة فيزيائية تخضع لها كافة معادلات القياس. ففي الكهرباء، عندما يدخل إلى محول كهربائي     10 أمبير كهرباء بسيولة 110 فولت  :
                                                    V 1  × A 1  = V 2  × A 2 

أي أن 10 أمبير بقوة 110 فولت، تساوي عند التحويل 5 أمبير بقوة 220 فولت، أي :

                                              A 10  ×  V 110  =  A 5  ×  V 220

  أي أن كمية السيولة تتحكم بالقيمة. وإذا دققنا قليلا سنجد الأمر نفسه بالنسبة لعلم الاقتصاد، الذي يفتقر حتى الآن إلى القياس، الذي هو المدخل لأي علم. فإذا افترضنا أن سعر عربة يساوي ألف ليرة، فهذا يعني أن في كل ليرة ذرات قيمة تساوي واحد بالألف من العربة أي: 


                                             1000 ل.ل  ×    عربة       =   عربة.
                                                                   1000

فإذا ارتفع سعر العربة بواسطة عامل التضخم المالي ليصبح ألفي ليرة، فذلك يعني أن ذرات القيمة في كل ليرة تراجعت لتساوي واحد بالألفين من العربة. أي: 


                                           2000 ل.ل ×   عربة        =   عربة.
                                                               2000

وبما أن المعادلتين في كلتا الحالتين تساويان عربة. لذلك فإن ذرات القيمة في الوحدة النقدية في الحالة الأولى، مضروبة بكمية النقود في الحالة الأولى، تساوي ذرات القيمة في الوحدة النقدية في الحالة الثانية، مضروبة بكمية النقود في الحالة الثانية. وهذه متطابقة معروفة في كافة العلوم الطبيعية. فكما في المحول الكهربائي، كذلك في الضغط الجوي، حيث أن:
                                     V2 × P2  = V1 × P1

كذلك في حالة كافة المواد المعروفة في الكون. وهي نفسها في مادة الاقتصاد، أي الثروة والنقود، ولكنها لا تظهر بوضوح للعديد من الأسباب، التي أهمها عدم تطور علم الاقتصاد بشكل طبيعي عبر التاريخ. وبسبب عوامل أخرى مثل حجم الإنفاق العام، وعدم قياس إنتاجية جهاز الحكم، إضافة إلى النمو السكاني واكتشاف مصادر جديدة للثروة، وفي الوقت نفسه التكاثر الهائل في الكتل النقدية والمالية.
ولكن ما يمكن أن نصل إليه في هذه العجالة، هو أن مجموع الثروة، يساوي ذرات القيمة في كل وحدة نقدية، مضروبة بعدد الوحدات النقدية المتبادلة.
وبما أن النقود هي الأوعية التي لا يمكن أن تنتقل الثروة بدونها، وبما أن النقود لا قيمة لها إلا من خلال الثروة التي يمكنها نقلها، نستنتج أن الجهات القادرة على توليد النقود، قادرة في الوقت نفسه على التحكم بالثروة وامتصاصها، وتاليا توجيهها. وكلما قامت مصادر النقود بتوليد نقود جديدة وضخّها في الأسواق، فان الثروة الموزعة في النقود المتداولة، تنساب إلى النقود الحديثة المولد، لتتراجع كمية ذرات القيمة في الوحدات النقدية، وتاليا تتراجع قوتها الشرائية ومنفعتها الحّدية في الشراء.
وبناء عليه، وبما أن النقود ليست ثمارا تقطف من على أغصان الأشجار، ولا هي غيث يهطل من السماء، ولا نفط ينبع من باطن الأرض … بل هي أوراق تصدّرها المصارف، وتكتسب قيمتها بمجرد ولادتها. لذلك فإن قدرة ينابيع النقود على الإنفاق، وعلى توجيه الثروة العامة والاقتصاد هي قدرة غير محدودة… ولذلك أيضا، فإن الثروة يمكن أن تسلب من أصحابها بسهولة كبيرة، إذا كانت مدّخرة بواسطة النقود، حتى وإن كانت هذه النقود مخبأة في صناديق حديدية لا تطولها يد الســارق. (ولعل اللبنانيين خصوصا، هم أعرف الناس بالتجربة، على كافة مستوياتهم، بأمر تبخر قيمة النقود، بعد أن خبروا ما كانت القيمة الشرائية لمبلغ مليون ليرة لبنانية في السبعينات، وما أضحت عليه قيمة هذا المليون، لو أنه ظل مخزونا نقدا حتى التسعينات).
وبما أن النقود لا تدخل أساسا إلى حيز التداول، إلا بعد أن يدفع المجتمع ثمنها لمصدّرها، وبما أن الحكومات تصدر بواسطة المصارف المركزية أوراق البنكنوت المتداولة بين الناس، فإنها تكون قد استوفت ضريبة إنفاقها العام من ثروة المجتمع، وهي ضريبة تساوي كل أوراق البنكنوت المتداولة في الأسواق أو المدخرة في الخزائن. (وعلى سبيل المثال ، أيضا: فان أوراق النقد التي يمتلكها كل إنسان، هي بكل  بساطة، وبصرف النظر على قيمتها الشرائية، بمثابة إيصال شخصي بقيمة الضريبة التي دفعها، على اعتبار أن المصرف المركزي قد استوفى قيمتها بمجرد إصدارها …).
 عند هذه النقطة، فان قدرة الحكومات اللامحدودة على توليد النقود، تمثل سلطة استبدادية غير محدودة. لذلك، فإن  نظرية الإنفاق العام من خلال الضرائب المباشرة أو غير المباشرة، أو الرسوم، والتي كانت مسوّغة ومنطقية حين كانت النقود صكوك ذهبية وفضية محدودة الكمية قبل القرن السابع عشر، أصبحت بعد اعتماد النقود الورقية غير مقبولة ولا منطقية. ولكننا إذا افترضنا جدل، وبسبب الاتفاقات الدولية على تثبيت سعر صرف النقود الورقية، من خلال احتياطات ذهبية أو دولارات محمية بالذهب، كانت تفرض على الحكومات تخفيض العجز بالموازنة والإنفاق من الجباية، فان الحكمة والعلم والمنطق تفرض إلغاء هذا المفهوم بعد 15 آب 1971، حين ألغى الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ارتباط الدولار بالذهب. وبعد أن عوّمت معظم دول العالم أسعار عملاتها، حيث اندفعت مضطرة لاقتناء الدولار، الذي حل بقوة الأمر الواقع، محل الذهب… وأصبح الوضع منذ ذلك التاريخ، أن مطابع الدولار الورقي الأميركي تحولت إلى مناجم ذهب لا تفنى… وما تنادي الدول الأوربية إلى إقامة وحدة فيما بينها، إلا محاولة لإحلال النقد الأوروبي الجديد (اليورو) محل الدولار، فتتمكن أوروبا بواسطته من تمويل العجز في موازناتها، من خلال ما يدخره العالم من ثروة بواسطة النقد الجديد.
وبناء على ذلك، فإننا نستنتج؛ أن نظرية الإنفاق العام من خلال فرض الضرائب والرسوم والجمارك، هي نظرية متخلفة علميا، ما دامت الضريبة تستوفى سلفا ساعة ولادة النقود الورقية.
وبالتالي فان فهم الفارق الواضح بين النقود وبين الثروة، وفهم جدلية العلاقة بينهما، والذي يظهر في القوة الشرائية  للوحدة النقدية، أي بكثافة ذرات القيمة الموجودة فيها، حيث أن قيمة كل وحدة نقدية تساوي:

                                                الثروة العامة ÷ كمية المال المتداول

 أي أن سعر الوحدة النقدية أو قوتها الشرائية، هي ميزان النمو الاقتصادي أو نمو حجم الكتلة النقدية والمالية.
 وللتوضيح فقط؛ فان الإنفاق العام الحكومي أو إنفاق أي جهة قادرة على توليد المال، كالمصارف أو حتى مزوّري النقود، يكون دائما على حساب الثروة العامة للمجتمع، وليس قطعا لأن الحكومات أو المصارف أو المزوّرين منتجون للثروة أو مطوّرون لها.
فالفارق الواضح بين النقود وبين الثروة (والذي يشبه الفارق بين الماء والأنابيب أو بين الدم والعروق حيث الماء والدم هما الثروة. والأنابيب والعروق هما النقود)، إذا تمكنا من فهمه واستوعبنا جدليته، يفتح لنا آفاقا جديدة في تكنولوجيا الاقتصاد. خصوصا بالنسبة للمجتمع اللبناني، الذي يقف بين سندان الدين المتفاقم ومطرقة التضخم أو الانكماش النقدي.
لذلك سنناقش التضخم والانكماش في لبنان، بشكل سريع لنصل في فاتحة الجزأين اللاحقين إلى معادلة تسديد الدين بالسرعة المطلوبة، من دون الوقوع بين هوّتيّ التضخم أو الانكماش.

التضخم والانكماش

سبق وذكرنا في معادلة قياس قيمة النقد، أن كل وحدة نقدية تحتوي على ذرات قيمة تزيد أو تنقص تبعا لعاملي:
الأول: هو نمو الثروة أو سرعة استهلاكها، والثاني: هو نمو الكتلة النقدية أو ثباتها. ..
                  
                 أي :           قيمة الوحدة النقدية = الدخل القومي ÷ الكتلة المالية.

والتضخم المالي هو مرض نلمسه في تراجع قيمة المنفعة الحديّة للعمل، بغض النظر عن أسبابه وعن الأشكال التي يظهر فيها. في حين يصبح الفرد المنتج، بحاجة إلى أكثر من وظيفة واحدة، لتحقيق الاكتفاء الذاتي في حاجاته الاستهلاكية الضرورية، يكون التضخم موجودا بشكل أو بأخر. وقد حاولت العديد من حكومات العالم، لجم التضخم عن طريق السياسة المالية دون الأخذ بعين الاعتبار بمعادلة كثافة ذرات القيمة في الوحدات النقدية. وكانت النتيجة سلبية على الدوام. ففي الدول الاشتراكية السابقة، حيث فرضت الحكومات سعرا موحدا للسلع، دون الأخذ بعين الاعتبار آلية السوق، ومعدل نمو الإنتاج، يظهر التضخم باختفاء السلع من الأسواق مع ثبات أسعارها. أما في الدول الرأسمالية، التي حاولت إخفاء التضخم الجامح، بعد الحرب العالمية الأولى عن طريق ضبط الكتلة المالية، دون الأخذ بعين الاعتبار حاجة الإنتاج إلى الاستهلاك الفعّال، فقد يظهر التضخم بالانكماش الحاد في الأسواق وبأزمة اقتصادية عالمية. وحين حاول الرئيس الأميركي رونالد ريغان الأخذ بنظرية ميلتون فريدمان، التي ترى أن الإنفاق العام يجب أن يعتمد على الرسوم والضرائب، لا على العجز في الموازنة. فقد كاد ذلك يتسبب بانهيار جديد في الاقتصاد الأميركي تداركه الساسة بسرعة، وعادوا إلى سياسة الإنفاق بالعجز وضخ السيولة النقدية إلى الأسواق.
لذلك فإن التضخم لا يمكن وصفه فقط بأنه: " كتلة مالية أكبر تطارد كمية من السـلع أقل ". بل إنه مرض يظهر في عدة أشكال، وليس في تراجع سعر صرف النقد الوطني فقط. ففقدان السلع من الأسواق؛ تضخم. والانكماش المالي؛ تضخم. والركود وتراجع معدلات النمو؛ تضخم. وارتفاع معدلات البطالة؛ تضخم. وهبوط سعر صرف النقد الوطني؛ تضخم.   
 لكن بعض الحكومات تغفل عن هذه الحقيقة، وتحاول معالجة التضخم عن طريق لجم السيولة، فتقع في فخ تراجع معدلات النمو، وهو ما وقعت فيه الحكومات اللبنانية السابقة، لأنه عندما تتراجع القوة الشرائية للوحدة النقدية بسبب عامل زيادة الكتلة النقدية، وتقوم الحكومة بسحب الكتلة المالية من الأسواق لتثبيت سعر صرف العملة، فان ما يبقى من المال في الأسواق يصبح غير كاف للتبادل وهو ما يسمى بالانكماش. أي أن السيولة النقدية الموجودة في الأسواق، باتت غير مساوية لقيمة السلع والمنتجات، وبالتالي تؤدي إلى تباطؤ النمو، بسبب تراجع الطلب الاستهلاكي الفعّال في تدوير عجلة الإنتاج. ومثال الدورة الاقتصادية هنا كمثال دورة محرك السيارة، فإذا وصل إليه الوقود بكثرة يتسبب بهدر في الطاقة، وإذا وصل إليه بقلة يتسبب بتباطؤ دورة المحرك. هذه الجدلية بين سرعة وصول الوقود وسرعة دوران المحرك يحققها في السيارة منظم للوقود (كاربوراتور)، أما في اقتصاد المجتمعات، فالمصرف المركزي هو الذي يحدد السيولة النقدية، التي يجب أن تتوفر في الأسواق وبين الناس. فإذا قام هذا المصرف بالحد من انسياب السيولة النقدية، فان ما يحدث هو أن النمو يبدأ بالتباطؤ، وكلما ازداد حجم الكتلة النقدية المسحوبة من الأسواق ازدادت وتيرة التباطؤ، لان النقود بمجرد مولدها تمتص قيمتها من الثروة العامة، فإذا تمّ لجمها من التداول، فان هامش قيمة ما يبقى منها في الأسواق، تتراجع ويتراجع معها النمو. ومن هنا تأتي مقولة كينز بأن: (التضخم غير عادل والانكماش مسيء ولكن التضخم افضل من الانكماش) . ولنفس السبب فان المجتمع اللبناني الذي عانى من التضخم الجامح بين أعوام 1986 و1992، كان قادرا في ذلك الوقت على تصدير الألبسة إلى فرنسا، والأحذية إلى إيطاليا، مع كل مفاعيل أزمة التضخم، بينما حين لجمت الحكومات السابقة، السيولة وامتصتها من الأسواق لتختزنها في المصرف المركزي، بات إنتاج الحذاء في لبنان اكثر كلفة منه في إيطاليا وارتفع العجز في الميزان التجاري الخارجي وتباطأ النمو من 10 % عام 1992 إلى 1,5% عام 1998.
ونحن إذا أدركنا هذا الفارق بين النقود وبين الثروة، الذي هو كمثل الفارق بين عصير العنب وبين الأوعية، التي يستخدمها الإنسان لشرب هذا العصير. وإذا أدركنا أن المجتمع هو الذي يعصر العنب أي الذي ينمي الثروة، وإن الحكومة هي التي تولد الأوعية لتشرب هي، وليتمكن الناس من الشرب، فالسؤال المنطقي هنا هو انه، إذا كانت الأوعية لا تتوالد إلا من مصدر واحد هو الحكومة، فلماذا تحتاج هذه الحكومة إلى استعادة الأوعية من المجتمع، طالما هي قادرة على توليدها؟ ولا يشرب بواسطة ما يولد من الأوعية أحد قبلها؟ من هنا يمكن أن نلاحظ أن نظرية استعادة الأوعية، هي نظرية متخلفة لا حكمة فيها، ولا تأخذ بعين الاعتبار؛ إن ما قدمه اكتشاف الأوعية الورقية من خدمة للمجتمع، كانت أحد أهم أسباب النهضة الصناعية والعلمية والتكنولوجية، بدءا من أواسط القرن السابع عشر. ولذلك فأننا نرى أن نظرية الجباية بهدف الإنفاق الحكومي العام، ما هي إلا نظرية متخلفة تؤدي إلى تعطيل النمو، وتتسبب بتباطئه وليس لها مسوّغ علمي أو منطقي، سوى أننا ورثناها دون مناقشتها، مثلما ورثنا الفلكلور منذ عصور ما قبل التاريخ. لأن نظرية الجباية بهدف الإنفاق، تحتاج إلى نقل جزء مهم من اليد العاملة من خانة الإنتاج، إلى خانة الرقابة عليه. فتتعطل هي عن الإنتاج وبنفس الوقت تؤدي الرقابة إلى الفساد الإداري، وإلى تعطيل الجهد الإنساني، عن تطوير الإنتاج في بحثها، عن وسائل للتهرب من الضرائب، ومن الموظفين الحكوميين الذين يتحولون إلى الولاء المشترك، بين القانون الذي أعطاهم سلطة الرقابة، وبين المنتجين الذين يدفعون لهم ليتهربوا من سلطتهم الرقابية.
نحن حين نفهم تماما جدلية العلاقة بين النقود وبين الثروة، ونتراجع عن نظرية الجباية والرسوم والجمارك من اجل الإنفاق العام، ونستبدلها بالإنفاق بواسطة العجز في الموازنة، أي أن نخفف عن قطاعات الإنتاج وعن العمال عبء الضرائب والرسوم، وما تسببه من إرباك ومن فساد إداري يعطل الإنتاج. عندها نكون قد بدأنا باستخدام، تقنيات الاقتصاد الحديث، ونكون قد استبدلنا أدوات الحراثة القديمة، بمعدات جديدة متطورة تطلق المارد الإنساني الإنتاجي من عقاله ليحـقق أعلى معدلات نمو شهدتــها البشرية. كما سنكون قد أطلقنا أبجدية اقتصادية آن أوان ظهورها على العالم.
                               
مولدات الثروة

قبل الدخول إلى مناقشة موضوع مولدات الثروة، وهي الهدف الرئيسي لأي بحث اقتصادي، لا بد من الإشارة إلى أن الثروة مادة موجودة بكثافة حولنا كيفما تطلعنا: فالماء والهواء والبحر والشمس والطقس والشجر والملح والأنهار والآبار والجبال والرمال كلها ثروات طائلة لم تكتشف بعد. أما الكلام الذي يردده البعض عن عدم توفر المواد الأولية في لبنان أو غيره، من الدول الفقيرة لتبرير الأزمات الاقتصادية، فما هو إلا تخلف وجهل لحقيقة ما أعطتنا إياه الطبيعة، من هبات ما نزال نستهلكها منذ الأزل وما زالت تتجدد إلى ما لا نهاية.
لكن الواقع العلمي لهذه الثروة الطائلة المحيطة بنا، هو أنها لا تتجسد إلا بواسطة عاملين مساعدين أساسيين. الأول هو النقود أي الأوعية التي يمكنها نقل الثروة، والثاني هو الجهد الإنساني. لذلك فإن البحث في مولدات الثروة، ليس بحثاً عن الثروة بحد ذاتها، بل هو بحث عن وسائل تفعيل وتطوير قدرات الإنسان اللبناني، ليتمكن من تجسيد هذه الثروة .
ولذلك أيضاً فإن الكلام عن الواقع الاقتصادي اللبناني الصعب، المتمثل بالدين العام الباهظ التكاليف، وتحميل هذا الدين أو غيره مسؤولية استمرار الأزمة، ما هو إلا هروب من المسؤولية تماماً، كما هرب منها سابقاً من أوقع لبنان تحت عبء الدين محتجاً بالحرب.
ولتوضيح أهمية تفعيل الجهد الإنساني، لا بد من الإشارة إلى الدول الصناعية العظمى، والدخول في جوهر الخطة التي جعلتها دولاً عظمى، كمقدمة لبحث مشكلة الدين العام، وكيفية تسديده، والمدة القصوى التي يحتاجها لبنان، للخروج من هذا الدين انطلاقاً نحو الرفاهية الاقتصادية.


1- إنكلترا: جزيرة متخلفة هاجم النورمنديون شعبها السكسوني، فحكموهم وأمعنوا في فرض الضرائب والجباية، حتى انتشر الفقر وهرب السكان إلى الغابات خوفاً من التنكيل. وقد أبرز الأدب الإنكليزي هذه الصورة في روايات عــدة مثل "روبن هود"، و"ايفان هو"، و"وليم تل". ونتيجة للبؤس ظهرت آراء الاقتصاديين الفيزيوقراط، الذين فهموا معادلة الجهد الإنساني في تطوير الثروة، فوضعوا قاعدة أسموها "دعه يعمل...       دعه يمر"،  وقد قصدوا بالضمير الغائب "هو" صاحب العمل أو صاحب المزرعة، الذي يعتبر العقل المدبر الذي يدير الإنتاج لتحقيق مصلحته الخاصة، ولاحظوا بأنه حين يحقق مصلحته تتحقق مصلحة المجتمع ككل.
وقد جاء بعدهم آدم سميث ليؤكد على هذه النظرية، وقد اعتبر أنه بترك أصحاب العمل على حريتهم ليحققوا مصالحهم، فإن يداً خفية تدفع بنتائج نجاحهم إلى نجاح لمجتمعهم. وفي فترة لم تتجاوز العشرين عاماً تمكنت الجزيرة المتخلفة، من تدمير الأسطول الإسباني (الأرمادا)، فسيطرت على أعالي البحار واستعمرت  العال .


2- فرنسا:  دولة فقيرة متخلفة، ثار شعبها على البؤس وقتلوا الملك وعائلته وكل رجال حاشيته، لكنهم فشلوا في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، فعادت الملكية وفشلت، وعادت الثورة واستمر البؤس مسيطراً.
وقد أبرز الأدب الفرنسي هذا الواقع في روايات عدة مثل "بائعة الخبز"،  و"البؤساء". وقد حاول الفرنسيون مجاراة الفكر الاقتصادي الإنكليزي، ولكنهم كانوا يقعون في فخ الفقر والتفاوت الطبقي. وتنبه علماء الاقتصاد الفرنسيين، إلى خطورة النقود الائتمانية البديلة، الصادرة عن القطاع الخاص في المصارف التجارية التي تتسبب بإثراء فئة غير عاملة على حساب الفئات العاملة، فتمتص ثروتها. فحدّوا من إمكانية المصارف على خلق النقود الائتمانية، مما أوجد مناخاً من العدالة الاجتماعية، بعد أن حصل قطاع الإنتاج على حقه في ثمرات النمو. وخلال أقل من عشر سنوات، انتقلت فرنسا لتصبح دولة صناعية عظمى، تتقاسم استعمار العالم مع جارتها إنكلترا.


3-  ألمانيا:  مجموعة إمارات متناحرة متقاتلة بعيدة عن الحضارة بعيدة عن البحار، وشعبها مجموعة من القبائل الجرمانية المتخلفة. تنبه عالم جغرافي هو كارل رايتر إلى أهمية الوحدات الطبيعية في العالم، فقسمه إلى مناطق جغرافية قومية على رأسها القومية الجرمانية، واعتبرها دافعاً معنوياً مهماً يحفز الجهد الإنساني في تحقيق النمو الاقتصادي. فلعب على العامل النفسي أي الانتماء القومي، كما أشرك العمال البروسيين بنسبة من أرباح المؤسسات التي يعملون فيها، فأطلق مارداً صناعياً من عقاله. وخلال أقل من مائة عام، تمكنت ألمانيا التي وحدتها المصالح الاقتصادية والقومية، من خوض ثلاث حروب عالمية  متتالية، ومع هزيمتها في الثلاث فقد بقيت واحدة من الدول الصناعية الأولى في العالم. ومع أن النظرية القومية الاجتماعية التي أطلقها رايتر، دفنتها الحرب العالمية الثانية، بعدما دمر الحلفاء ألمانيا. إلا أن العامل الإنساني المتمثل بالانتماء (الحافز المعنوي) إضافة إلى المشاركة في الربح والخسارة (الحافز المادي)، ما زالا يدفعان الاقتصاد الألماني إلى مصاف الدول الأولى في العالم.


4-  الولايات المتحدة: دولة صناعية فتية من الدرجة الثانية، دخلت في نظرية تثبيت سعر صرف عملتها الوطنية، فانهار نظامها الاقتصادي بسبب الانكماش الحاد، وأفلست مصانعها وانتشرت البطالة، وبدأ الناس بالانتحار هرباً من الواقع المرير (وهو وضع شديد الشبه بالوضع اللبناني الحالي). وصل إلى سدة الرئاسة روزفلت، الذي درس النظرية الكينزية وتفهم جدلية العلاقة بين النقود وبين الثروة. فأمر بتوزيع النقود على العمال بشتى الوسائل. فكان العمال يحفرون الطريق ثم يرصفونها ثم يعودون لحفرها من جديد… لا لهدف سوى توزيع النقود عليهم ليحققوا الطلب الاستهلاكي الفعّال. فدارت عجلة الإنتاج، وتبددت جموع العاطلين عن العمل، وانطلق الأميركيون في مسيرة الصدارة العالمية، وخلال أقل من اثني عشر عاماً هي مدة  رئاسة روزفلت الذي أعاد الشعب انتخابه رئيساً لأربع مرات متوالية، وكانت ظاهرة فريدة في تاريخ الولايات المتحدة.


5-  اليابان : دولة خرجت من الحرب العالمية الثانية مهشمة مقطعة الأوصال، أصابتها قنبلتان نوويتان فدمرتا أهم المدن الصناعية فيها، قيّض لها مفكر اقتصادي مميز، عين رئيساً "للكايدانراين" - أي الاتحاد الوطني للصناعات اليابانية - هو الســيد " توشيود  دوكو " وقرر هذا المفكر أن يدعم بالتعاون مع المصرف المركزي الذي رئسه "ناووتو ايشيماندا" أصحاب العمل، بقروض طويلة الأجل، معفاة من الضرائب والفوائد. وبالتعاون مع مجموعة من الساسة  الاقتصاديين، حرروا أصحاب العمل من كافة العوائق المتمثلة بموظفي الحكومة ومراقبتهم العائقة للإنتاج. وقد تمكن أصحاب العمل اليابانيون من خلال التطبيق المنهجي للمكتشفات العلمية، أن يطوّروا صناعة السفن وآلات التصوير والدراجات النارية والبيتروكيمياء والساعات والإلكترونيات، وخلال أقل من عشر سنوات مضت على انتهاء الحرب الكونية الثانية، كانت كل من نيكون وكانون وهوندا وسايكو وميتسوبيتشي وسوني وريكوه وتويوتا ومازدا وهيتاشي وماتسوشيتا وداتسون وتوشيبا  وفوجيستو، تشكل بمجموعها مجد الصناعة والرفاهية اليابانية. وقد اعتمد السيد دوكو على نظرية تأهيل وتحرير الإنسان من القيود، وإطلاقه  في مجال الإنتاج.


هذه التجارب العالمية الواضحة المعالم، من حيث اعتماد نظرية إطلاق العنان للجهد الإنساني، تطرح تساؤلاً حول إمكانات المواطن اللبناني. هل هو قادر على تحقيق النجاح إذا أطلق له العنان ؟!
إن نظرة بسيطة لأحوال اللبنانيين في العالم، تعطينا فكرة واضحة عن سلبيات القوانين الاقتصادية المحلي، حيث من عملوا وفشلوا بالداخل؛ حققوا أعلى معدلات النجاح حين خرجوا إلى العالم !!.
والأمر لا علاقة له بالمواد الأولية كما يحلو للبعض أن يفكر هروباً من المسؤولية. بل إن لبنان بمناخه  المعتدل أغنى من الدول النفطية، إذا أطلق العنان للجهد الإنساني في المجال السياحي وحده. فكيف إذاً أطلق هذا الجهد في الزراعة والصناعة والخدمات  والتجارة والإعلام والتربية والاستشفاء.
والواقع هو أن مشكلة الاقتصاد اللبناني، تكمن في تخلف النظرية الاقتصادية المعمول بها في لبنان، وليس لأن لبنان يفتقر إلى المواد الأولية. بل إن نظرة بسيطة إلى الاقتصاد الياباني، تنبئنا بأن اليابانيين يبيعون رمال البحر بأسعار أغلى من سعر الذهب، لسبب بسيط هو إطلاق العنان للجهد الإنساني عن طريق الحوافز المادية. فحوّل العقل المنطلق رمال البحر إلى رقائق معلوماتية تباع بأسعار أغلى من أي مادة في العالم بما فيها الذهب. لذلك فإن المشكلة اللبنانية تكمن في القوانين التي تعمل ضد مصلحة الاقتصاد الوطني، فتكبل الإنتاج  وتقتل روح الاندفاع التي يتحلى بها اللبنانيون.
والواقع أيضاً، هو أن مشكلة الدين العام أو مشكلة الحرب أو أي مشكلة أخرى، قد يعتبرها البعض سبباً للركود الاقتصادي ولتراجع معدلات النمو، هي في الحقيقة واهية المعالم. بل أن الدين يمكن أن يسدد في فترة لا تتجاوز الثلاث سنوات إذا أحسن الساسة إدارة الاقتصاد الوطني، وفهموا معادلة دمج النظرية النقدية بالنظرية الاقتصادية، وأعطوا لكل صاحب حق حقه، وابتعدوا عن سن القوانين، التي تخدم مصالحهم الشخصية دون الأخذ بعين الاعتبار مصلحة المجتمع ونتائج القوانين والتشريعات على الاقتصاد الوطني.
وكما أسلفنا في مطلع هذا الجزء من الدراسة، فإن مولدات الثروة الأساسية في الكون هي القدرات الإنسانية، التي لا تنطلق إلا بواسطة الحوافز المادية أولاً والمعنوية ثانيا. وإذا عرف القيّمون على  السياسة كيفية إطلاقها وأبعدوا عنها العوائق والعوالق، فستتمكن وحدها وبسرعة فائقة من تدوير عجلة النمو. وعندها لن يبقى بعيداً  ذلك اليوم الذي تعود صناعة الأحذية في لبنان، لغزو الأسواق الإيطالية أو صناعة الألبسة  لغزو الأسواق الفرنسية، وعندها لن يكون الدين مشكلة يصعب حلها، بل سيتحول لبنان إلى دولة  تساعد أشقاءها العرب، الذين بدأت أسعار النفط لديهم تتراجع بصورة حادة، ناعية فترة الطفرة وداعية لدخولهم في فترة التقشف.


مولدات النقود

النقود هي الأوعية التي تحمل الثروة، وبالتالي فإنه من المستحيل احتواء الثروة أو تبادلها بدون هذه الأوعية. وقد كان اكتشاف هذه الأوعية مدخلاً للحضارات الإنسانيـة، لأنها أفسحت المجال لإمكانية التبادل السلعي بين الناس، فمن كان يمتلك الحصان، لم يكن قادراً على شراء دجاجة، لأن المبادلة غير متكافئة. لكن هذه النقود وعلى عكس الثروة، لا تهطل من السماء، ولا تقطف عن الشجر، ولا نلمها من شاطئ البحر، وليست مكتنزة في الآبار أو المناجم . بل هي مادة مصنعة، تكمن أهميتها بثقة الناس بها والاقتناع بمصادقية مصدرها وشرعيته.
وقد كانت في الماضي مصنوعة من معادن نفيسة، تحمل قيمتها في ذاتها، فإذا انتقل بها الأفراد من دولة إلى أخرى تبقى مقبولة في المجتمع الجديد لأنها من معدن نفيس. ولكن الإنسان توصل مع تطوره وتطور وسائل مواصلاته وتواصلاته، إلى اكتشاف إمكانية أن تكون النقود مصنوعة من أوراق لا قيمة لها، فتمتلئ بثروة ذات قيمة تفوق قيمة الذهب، وذلك حسب الثقة بمصدرها. ولهذا السبب فإن ورقة واحدة صادرة عن المصرف الفدرالي الأميركي، قد تكون أغلى من سعر شقة أو عمارة أو حتى شارع بأكمله، إذا  كانت من فئة المليون دولار. علماً أنها لم تكلف مصدرها سوى ثمن الورقة وثمن الطباعة عليها. وبما أن ورقة صغيرة هي وعاء يمكن أن يحمل ثروة طائلة، كما يمكن أن لا تحمل قيمة الورقة نفسها إذا كانت مثلاً من فئة 100 ليرة لبنانية. لذلك فإن مصادر النقود قادرة حسب قوتها  الاقتصادية، أن تتحكم بالثروة فتوجهها أو تنفقها حسب رغباتها، محمّلة أصحاب الثروة الحقيقيين كلفة هذا الإنفاق. فالمصارف المركزية الأميركية مثلاً حين تصدر ورقة من فئة 100 دولار، فهي لا تمتلك أساساً قيمة هذه الورقة أو بالأحرى الثروة التي يمكن أن تنقلها هذه الورقة، ولكنها في نفس الوقت لا تعطيها لأصحاب الثروة الحقيقيين مجاناً، بل هم يدفعون ثمنها عن طريق انسياب الثروة من النقود التي يملكونها، إلى هذه الورقة بمجرد ولادتها. فيدفعها المصرف المركزي ثمناً لسلعة أو راتباً لموظف، وبالتالي فإن المجتمع يكون قد دفع مسبقاً ثمن ما يمكن أن يحتويه هذا الوعاء من ثروة بمجرد ولادته. فهو إذاً ضريبة يتمكن من خلالها جهاز الحكم من الإنفاق على حاجاته.
ونحن إذا دققنا  النظر في الحروب العالمية، سنجد أن من أهم أسبابها هو الإنفاق الحكومي بالعجز ودون حساب على التسليح، ما تسبب بانهيار القيمة الشرائية للنقود الأوروبية، التي تكاثرت فأثر ذلك سلباً على التجارة العالمية. ولذلك  فإن أول قرار اتخذته الدول بعد الحرب العالمية الثانية، هو قرار إنشاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لتثبيت أسعار صرف النقد العالمي. وقد اقترح اللورد كينز يومها، إصدار نقود عالمية تصدر عن البنك الدولي هي( BANKOR )، ولكن لم يؤخذ باقتراحه، لأن الولايات المتحدة كانت تسعى لتكون مصارفها المركزية، هي المولدّ الأول للنقود العالمية. وقد نجحت بذلك إلى حد بعيد، حتى باتت اليوم تمول البذخ في إنفاقها، على حساب كل مجتمعات العالم وخصوصا المتخلفة، التي تدخر ثروتها بالأوعية النقدية المولدة في الولايات المتحدة .
ولهذا السبب أيضاً، تقوم دول أوروبا حالياً بتوحيد عملاتها، ساعية لتحل النقود الجديدة (اليورو) محل الدولار في الإدخارات والمبادلات العالمية. كيف لا وقد كانت إنكلترا وفرنسا تمولان إنفاقهما على حساب الدول النامية، التي تتبادل تجارتها وتدخّر أرصدتها بالنقود المصدّرة من المصارف المركزية الإنكليزية والفرنسية، حين كانتا دولاً استعمارية عظمى.
ومن المعروف في هذا المجال، أن الكلام عن مدخرات ذهبية أو غيرها مقابل الإصدارات النقدية، هي نظرية تجاوزها الزمان، بل إن قيمة الذهب نفسه بدأت بالتراجع، منذ استغناء الدول عنه كاحتياطي لإصداراتها النقدية.
هذا الواقع يوضح لنا، بأن النقود ليست أوعية لتبادل الثروة فقط، بل هي سلاح خطر يستطيع مصدره أو مولّده أن يمتص الثروة من مالكها بكل يسر وسهولة! وبناء عليه، فإن النقود تمثل أحد أهم رموز السيادة في المجتمعات، ونستنتج من ذلك بأن هذا السلاح الخطير، الذي هو أحد أهم رموز السيادة، يجب أن يكون محمياً بشكل دقيق، وأن لا يتوالد إلا بشكل مدروس، وأن يكون مكان وزمان مولده معروفاً بوضوح، ومراقباً تحت المجهر، ومرتبط حصراً بالحكومات، وليس بالقطاع الخاص. ولهذه الأسباب وضعت الحكومات قوانين وعقوبات جزائية رادعة، لكل من تسول له نفسه تزوير النقود، لأنه يستطيع أن يمتلك ثروة الناس بأوراقه المزورة.
وهنا يأتي السؤال الاقتصادي الأهم ، الذي يغيب دوماً عن منظّري السياسة الاقتصادية في معظم بلدان العالم، ومنها لبنان:
        هل أن مصدر النقود في لبنان هو فقط المصرف المركزي؟
  أو    هل أن مصدر النقود في العالم  هو فقط المصارف المركزية؟

الإجابة على هذا السؤال، قد تكون سهلة على الاقتصاديين، لأن معظمهم يعلمون بأن كتلة الأوعية النقدية الائتمانية، التي يتداولها الناس دون أن يلمسوها أو يروها، والتي تصدر بالأساس عن المصارف التجارية، وتنساب إليها الثروة بمجرد ولادتها، أكبر من الكتلة النقدية الصادرة عن المصرف المركزي، لكن في هذه الإجابة نفسها طرافة تضع الاقتصاديين في موقف؛ لا عقلاني ولا منطقي، لأنهم في الوقت الذي يعتبرون فيه، أن العجز في الموازنة يؤدي إلى التضخم، وينصحون بتخفيض العجز في الموازنة، يعتبرون أن الاقتصاد بحاجة حيوية، إلى تسييل الأوعية النقدية عبر المصارف التجارية، التي تقوم بإصدار النقود الائتمانية البديلة؟! وهنا يطرح السؤال نفسه بنفسه: أين المنطق بحرمان المصرف المركزي من آلية التمويل بالعجز؛ أي إصدار الأوعية النقدية الحقيقية، وبالمقابل السماح للمصارف التجارية بإصدار الأوعية النقدية الائتمانية  البديلة؟ هذا مع العلم أن الأوعية النقدية الائتمانية البديلة، يزيد حجم كتلتها عن الأوعية النقدية الحقيقية، بنسبة تزيد عن 1000 %.
وهذا الفارق الواضح بين الكتلتين، يظهر بوضوح مكمن السبب الأول للتضخم المالي في لبنان وفي العالم. حيث تتوالد الأوعية النقدية الائتمانية البديلة، من غير النبع الأساسي الذي يجب أن يكون التوالد محصوراً فيه. وإذا أمعنا النظر بحكمة ومنطق، سنجد أن القيّمين على توليد هذه الأوعية النقدية الائتمانية، هم أكثر الناس ثراء وأقلهم إنتاجا، بل هم عالة على الاقتصاد الاجتماعي والسياسي، لأن إنفاقهم الباذخ يفوق التصور، بسبب قدرتهم على توليد الأوعية  النقدية الائتمانية التي تمتص الثروة من مكامنها، بينما جهاز إنتاج الثروة الحقيقي؛ يئن ويعاني من العجز والبؤس والأزمات، ويتطلع إلى بذخ مولدات النقود الائتمانية بحسد وحسرة، لأنهم تمكّنوا بالنقود التي أصدروها من امتصاص الثروة، وتغييب الحقيقة عن الإعلام والرأي العام، فموّلوا الأبحاث العلمية، والاستشارات الأكاديمية، والإحصاءات التي تطلع دائماً بنتائج تصب في  مصلحتهم.
وبناء على هذه الحقيقة، يمكننا أن نستنتج بكل واقعية ووضوح، أن الإنفاق العام الحكومي إذا كان بعيداً عن البذخ، يمكنه أن يمّول بكامله بواسطة العجز في الموازنة، بل أن العجز واجب لتسييل الدورة النقدية، شرط لجم قدرة المصارف التجارية، على توليد الأوعية النقدية الائتمانية البديلة، أي القيدّية.
وبناء على هذه الحقيقة أيضا،ً يمكننا  أن نرى بوضوح/ عقم نظرية التمويل العام بالرسوم أو بالضرائب، لأن وظيفة المجتمع هي تنمية الثروة وتفعيلها، بينما واجب الحكومة، إصدار الأوعية النقدية لتظهر الثروة من خلالها. فأين  هي الحكمة من استعادة هذه الأوعية، وتحميل المجتمع نفقات حساب الربح والخسارة، مع ما يرافق ذلك من إعاقة للإنتاج، وفساد إداري، ورشوة وتهرب القوي من الضريبة، ووقوع الضعيف المسكين في براثنها، إضافة إلى مشاكل لا حد لها. ومثال جدلية العلاقة بين توليد النقود وتوليد الثروة، كمثل شخصين أحدهما اختصاصه؛ صناعة الأكواب والآخر مختص بعصير العنب. فإذا لم يصنع الأول الأكواب، لا يستطيع الثاني احتواء العصير وشربه، كما أنه إذا لم يعصر الثاني العنب، فلا قيمة للأكواب لأنها تظل فارغة..  وبالتالي، فإنه كلما صنع الأول الأكواب ملأها الثاني بالعصير، وبذلك يتمكّن الاثنان من الشرب. لكن الأول كان يعاني من كلفة صناعة الأكواب في عصور التخلف، لأن المعدن الذي كان يصنعها منه كان معدناً نادراً، مما يضطره إلى استعادة الأكواب من صاحب العصير ليتمكن من الشرب. ومع النمو والتطور في الحضارة الإنسانية، بات الأول يصنع الأكواب من البلاستيك أو الكرتون، وباتت قدرته على صناعتها غير محدودة. فأين الحكمة من تعطيل صاحب العصير بمشاكل استعادة الأكواب، خصوصا وأنه كلما تحرر من هذه المسؤولية، كلما تمكّن من تطوير قدرته على العصر، وتمكّن من ملء الأكواب بسرعة أكبر وبكمية  أكثر من العصير.
لذلك، وبناء على ما تقدم، فإننا يمكن أن نرى بسهولة، الأهمية والحيوية للخروج من نظرية الضرائب والرسوم. لأننا إذا استمرينا في اعتمادها، يكون مثلنا كمثل فلاح، يرفض إن يمتلك المعدات الآلية المتطورة لفلاحة الأرض، وبذرها وحصادها، لمساحات شاسعة تتجاوز آلاف الكيلومترات المربعة، وهو في أمس الحاجة إلى هذه الزراعة. ولكنه يصر بكل عناد على فلاحة مئات الأمتار بواسطة الفدان والبقرة، من دون أي منطق ولا علم. بل هو متأثر بما ورثه من علم والده في الزراعة، الذي ورثه هو نفسه عن تقنيات الفراعنة والآشوريين والكلدانيين.
ونستنتج من خلال فهم جدلية العلاقة بين مولدات النقود وبين مولدات الثروة، أن أهمية مولدات الثروة، تكمن في إعتاقها من المعوقات التي تقف حائلاً بينها وبين توليد الثروة. بينما تستطيع مولدات النقود أن تستفيد من الثروة بمجرد توليدها للنقود التي يجب أن تكون محصورة فقط وبكل أمانة في الحكومة التي تدير سياسة المجتمع . وعلى سبيل التكرار، فلا بد لنا من إعادة استحضار صورة الدول الصناعية العظمى حالياً، والتي كانت تئن من الأزمات قبل بضع سنوات من نهوضها إلى مصاف الدول العظمى، والتي تمكنت من تحقيق هذه النهضة بواسطة علماء اقتصاد أجلاّء، رأوا   كل من زاويته، جدلية العلاقة بين النقود وبين الثروة. وأهمية عامل الجهد الإنسان في تنمية الثروة مدفوعاً بمصالحه الخاصة، التي تشكل مجموعة من السواقي تصب في النهاية في نهر كبير واحد هو مصلحة المجتمع ككل.
وختاماً لهذا الجزء الذي يهدف إلى بحث قضية مولدات النقود، أجد من الملزم على الضمير والمنطق إعادة مناقشة مشكلة هامة شديدة الخطورة، ويرثها كل عهد جديد من الحكومات السابقة. ويبدو واضحاً لنا أن القيّمين على الاقتصاد سيتكتمون عليها، مما يورط كل عهد جديد بتهمة المشاركة فيها، ويحمّله مسؤولية تكاليفها الباهظة، حين تنفجر فتطيح بالثقة بالعهد الجديد، دون أن يعرف كيف يعالجها حين تنفجر، ويتهمه العامة بأنه تسبب بها.
وبما أن حكومة العهد الجديد والمفترض أنه نظيفة الكف وتمتلك مواصفات هامة في القانون والاقتصاد، فلا بد من الإشارة إلى حكم يعرفونه وهو: " أن الساكت عن الجرم يعتبر مشاركاً فيه ".
والجرم المقصود هنا هو سندات الخزينة، التي كان الهدف منها بالأساس لجم الكتلة النقدية، التي تؤثر على سعر صرف الليرة. ولكنها تحولت شيئاً فشيئاً إلى قنبلة موقوتة تهدد الاقتصاد بالانفجار، وتبتزه كالعلقة التي تمتص دماء الكائن الذي يسقط تحت براثنها. وهذه الجريمة الاقتصادية التي قال عنها النائب بطرس حرب – وهو  نائب مخلص في وطنيته ومواقفه - في يوم من الأيام إنها أقل كلفة من الدين الخارجي، لأن الحكومة تستطيع علاجها بآلية التضخم فتخفف من كلفتها، وهو يقصد بذلك أن الدين الداخلي بالليرة اللبنانية، يمكن تسديده عن طريق ضخ كمية من النقد اللبناني الذي تمتلك الحكومة حق طباعته، حتى وإن أدى ذلك إلى تراجع سعر صرف العملة الوطنية، ولكنه يبقى أقل كلفة من الدين الخارجي بالدولار الأميركي، الذي لا يمكن علاجه بنفس السهولة لأن الحكومة اللبنانية لا تمتلك حق طباعته.
إذا ، فلا داع من الإبقاء على هذا  الجرح النازف في خاصرة الاقتصاد الوطني، في وقت يئن هذا الاقتصاد ويحشرج حشرجة الموت. والخزينة تدفع أرباحاً على السندات تصل في حدها الأدنى إلى 10 % ، مع العلم أن معدل النمو العام لا يتجاوز 2.5% ، أي أن الحكومة تدفع قيمة النمو مضافاً إليها جزءاً مهماً من الثروة الوطنية، وتقترض من الداخل والخارج، وتبتز المجتمع بالرسوم والضرائب ثمناً لاستمرارها في جريمة تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية، وأن هذه  الجريمة  الاقتصادية تستنزف في كل يوم ما يقارب الـ 15 مليون دولار من ثروة المجتمع التي تتآكل يوماً بعد يوم.
أما وإننا في بدايات عهد جديد، فيجب أن يوضع حل سريع وواضح ومبرمج للخروج من هذه الكارثة، كما يجب أن يوضّح للمجتمع، أن تلك الجريمة إذا استمرت ستؤدي به إلى الهلاك المحتم.
أما السكوت عنها ولأي سبب من الأسباب مهما كان جوهرياً، فإن أخطر ما يهدد الحكم الحالي، هو أن يستمر بتلك المنهجية التي كانت طعنة في الصميم للاقتصاد اللبناني، وسعر الدولار الذي يساوي 1500 ل.ل. في الشكل بينما هو في المضمون الحقيقي يساوي :
 
                        M1  + M2  × ل. ل 1500   =  س
                             M1

حيث أن:
 M1 = الكتلة النقدية المتداولة في السوق.
 M2 = الكتلة النقدية المكبوتة في المصرف المركزي بواسطة سندات الخزينة، والتي تتضخم يوما بعد يوم.
 1500ل.ل. = السعر الظاهر للدولار.
س =   السعر الحقيقي الذي يدفعه اللبنانيون ثمناً للسلع المستوردة بالدولار، مما يجعل المعيشة في لبنان أغلى كلفة من معظم دول العالم، بما فيها تلك المرفهة بالصناعة أو بالبترول.
لذلك فإننا نرى، أن أي حل للأزمة الاقتصادية اللبنانية يجب أن ينطلق من علاج  مسألة دمج النظرية النقدية بالنظرية الاقتصادية، حيث أن ادخار النقد الوطني والأجنبي في المصرف المركزي ودفع الفوائد عليه لا يؤدي إلا إلى الاستنزاف المستمر دون منطق ولا حكمة، سوى تلفيق حقائق غير موجودة ولا علاقة لها بالحقيقة

الخاتمــــة     

ختاماً، لا بد من تلخيص هذه الدراسة في خطوات عملية تحقق ما جاء فيها من بحث عن وسائل استنهاض الاقتصاد اللبناني، وإطلاقه في رحلة استعادة رفاهية فقدها اللبنانيون ويفقدونها كل يوم، بسبب سعي البعض للاستحواذ على حقوق البعض الآخر.


1- الخطوة الأولى والأساسية لإحداث صدمة تدفع جميع اللبنانيين، إلى استعادة طموحهم وعافيتهم التي قتلتها سياسة فرض الضرائب والرسوم؛ هي العفو العام الاقتصادي عن جميع المؤسسات المتعثرة أمام مطالب الحكومة المالية. وهذه خطوة حيوية لا بد منها، وهي أهم كثيراً من خطوات العفو السياسي أو العفو المخدراتي أو العفو عن الجرائم. لأن الحكومات لا تحتاج إلى استعادة الأوعية النقدية التي أصدرتها، بل تحتاج إلى إمكانيات المجتمع لتعبئ هذه الأوعية بالثروة. وإمكانيات المجتمع لا تأتي عن طريق التكبيل والتقييد والمحاضر والسجون، بل أن نظريات التربية الحديثة كلها، تنطلق من قاعدة " تحفز الأبناء على التعلم "، مبتعدة عن القاعدة المتخلفة التي كانت تفرض التعليم  بالقوة أو بالضرب. فإذا كان الأطفال بعودهم الطري يحتاجون إلى التحفز، فكيف بالأحرى أولئك الكبار الذين لا ينطلق عقلهم ولا جهدهم إلا إذا تحرروا من سياسة القوة والتخويف والتهديد.


2-  الخطوة التالية هي الخروج من العقلية المتخلفة، التي تعتقد بأن الإنفاق العام يجب أن يموّل بواسطة الضرائب والرسوم. فهذا المنطق كان مقبولاً في عهد الفراعنة أو حتى في العصور الوسطى، حين كانت الأوعية  النقدية مصنوعة من مادة نادرة الوجود، مما يضطر الحاكم إلى استعادتها بواسطة الضرائب والجمارك والرسوم أو حتى التدخل في الإنتاج. أما مع تطور نظرية النقود التي باتت مصنوعة من مواد رخيصة جداً، هي الورق، وبما أن المجتمع يحتاج أساساً إلى هذه الأوعية ويحتاج إلى استمرار تسييلها، وبما أن وظيفة المجتمع هي تعبئة هذه الأوعية بالثروة، بينما وظيفة الحكومة هي توليد هذه الأوعية، وبما أن تحميل المجتمع عبء استعادتها مع ما يرافق ذلك من فساد إداري ورشوة وإعاقة للإنتاج وتهرب من الضريبة؛ ينجح فيها القوي ويفشل فيها الضعيف. وبما أن إصدار الأوعية النقدية يشكل بحد ذاته ضريبة تصاعدية، لأن الثروة المنسابة من أصحاب الأوعية النقدية القليلة، هي أقل من تلك المنسابة من أصحاب الأوعية الكثيرة… لذلك فإن نظرية الضرائب يجب أن تكون من مخلـّفات التاريخ والإنفاق يجب أن يكون كله بالعجز. والقول بأن تخفيض العجز في الموازنة هو لمصلحة الاقتصاد الوطني ما هو إلا تكهن غير علمي وغير منطقي، خاصة وأن الأسواق اللبنانية تعاني من شح حاد في السيولة النقدية، ومعظم المؤسسات إما متعثرة مفلسة، أو في طريقها نحو الإفلاس.


3- الخطوة الثالثة والتي يجب أن تترافق مع الخطوة الثانية، لكي لا يتسبب ضخ النقود إلى الأسواق عن طريق العجز بالموازنة في التضخم، هي لجم قدرة المصارف التجارية عن خلق الأوعية النقدية الائتمانية، لأن توليد هذه الأوعية، أي النقود، يجب أن يكون من الوظائف الأساسية للإدارة السياسية حصراً، وتدخل القطاع الخاص في هذه الوظيفة، يؤدي إلى احتكار الثروة عند فئة واحدة هي التي تخلق الأوعية النقدية الائتمانية فتحرم المجتمع من حقه في ثروته، وفي الوقت نفسه تتسبب بالتضخم المالي، الذي يعتقد بعض الاقتصاديين أنه ينجم عن العجز في الموازنة !.


4- الخطوة الرابعة هي ضمان جميع القروض المعقودة بين المواطنين بالليرة اللبنانية. ومن المعلوم في هذا المجال أن السياسة الاقتصادية والمالية السابقة، تسببت بالتعثر والإفلاس للعديد من الأشخاص والمؤسسات، وعندما تقوم الإدارة السياسية الحالية بضمان القروض المعقودة بالليرة اللبنانية، وتخرج الموقوفين لأسباب مالية من السجون، خاصة أولئك المديونين بالليرة اللبنانية فتدفع عنهم الدين وتقسطه لهم لحسابها. فإن هذه الخطوة إذا ترافقت مع خطوة العفو العام الاقتصادي، ستكون بمثابة مفتاح التشغيل في المحرك الذي يدّور عجلة الإنتاج بسرعة فائقة، ويحقق عدة  مطالب اجتمـاعية ملحة هي :


1- تبادل المحبة والثقة بين المجتمع وإدارته السياسية الجديدة.
2- إطلاق عجلة النمو والإنتاج خلال أقل من أربع وعشرين ساعة تلي اتخاذ هذا القرار.
3- التخفيف من حدة التشابك بين أفراد المجتمع وتحويلهم من الصراع والتجاذب إلى الإنتاج والتكاتف.
4- التوجه العام نحو استخدام النقد الوطني في جميع المعاملات التجارية والقروض، وهي خطوة حيوية للاقتصاد اللبناني.
5- الخطوة الخامسة هي إقراض المشاريع الإنتاجية، عن طريق المصرف المركزي مع الأخذ بعين الاعتبار الحوافز المادية للقيمين على الإقراض في المصرف المركزي من خلال نجاح المشاريع التي يتم إقراضها. لأن عدم وجود الحافز المادي للقيّمين على دراسة المشاريع وقدرتها على النجاح ومدى حاجة المجتمع إليها يدفع إلى الإقراض التعسفي الذي يحقق مصلحة الأفراد بعيدا عن مصلحة المجتمع.
6- الخطوة السادسة هي إلغاء سعر الفائدة عن القروض بالليرة اللبنانية، وهي خطوة قد يعتقد البعض بأنها ستدفع الناس إلى الادخار بغير النقد اللبناني وهذا خطأ شائع، ولكن ما يدحضه هو التجربة السويسرية حيث يضطر المدخر في مصارفها إلى دفع نسبة من ماله لقاء الأمان الذي يتحقق له من الادخار بواسطة الفرنك السويسري بدلا من الفائدة. ومع ذلك فإن الطلب على الادخار بالفرنك السويسري يزداد يوما بعد يوم بسبب عامل الأمان والثبات.
7-  الخطوة السابعة هي التقشف في الموازنة، مع اتخاذ خطوات جادة في درب خروج الحكومة من تدخلاتها في قطاع الإنتاج. فكما أن تدخل القطاع الخاص في وظيفة الحكومة بآلية إصدار النقود الائتمانية يؤدي إلى احتكار الثروة وانتشار الفقر، كذلك فإن تدخل الحكومة في وظيفة القطاع الخاص، عن طريق التدخل في نظرية الإنتاج يؤدي إلى تراجع معدلات النمو، وفشل الإنتاج في تحقيق أهدافه التي قد تكون مثالية نظرياً، ولكنها تشكل كارثة اقتصادية عند التطبيق، وإنفاقا وهدرا في غير محله.
8- الخطوة الثامنة هي الخروج من نظرية سندات الخزينة، ودفع الفوائد الباهظة التكاليف لاستعادة الأوعية النقدية  التي أصدرتها الحكومة أساساً وقبضت قيمتها سلفاً. ذلك لأن دفع الفوائد على تجميد هذه الأوعية يشكل سيفاً ذا حدين كلاهما يجرح حتى الوريد. فإذا كان الهدف من دفع الفائدة على القرض الداخلي، هو تخفيض القوة الشرائية للنقود عند استعادتها من قبل حملة السندات، فذلك غش غير مقبول، ولا يليق بدولة تحترم نفسها. وإذا كان الهدف هو تثبيت سعر صرف النقد، مع دفع أرباح حقيقية لحملة السندات، فتلك حماقة لا تليق أيضاً بالقائمين على السياسة الاقتصادية.
       وإذا كانوا جميعهم يعترفون بأن الدولة تاجر فاشل، وهو إقرار صحيح وفي محله. وإذا كانت الدولة في مشاريعها لا تستطيع تحقيق أرباح حقيقية، فمن أين تأتي أرباح السندات التي تصل في بعض الأحيان إلى 30 أو 40 % ؟ أما إذا كانت الحكومة تعتمد، بكل أسف، على النمو العام لدفع فوائد السـندات، فكيف يمكن لمـعدل نمو لا يزيد عن 4 % في أفضل التحليلات الاقتصادية المتفائلة، أن يدفع فوائد تزيد عن عشرة بالمائة ؟! أفلا يعني ذلك انحداراً سريعاً نحو الإفلاس العام ؟
9-  الخطوة التاسعة هي الخروج من مفهوم الاعتماد على الآخر لتحقيق النمو الداخلي. إذ أن الاتجاه نحو تشجيع الاستثمارات الأجنبية أو المساعدات المالية للدول المانحة، أو غيرها من التوجهات الخارجية لهو أحد أهم أسباب الأزمة اللبنانية، لأنه يعطل المسؤولين عن تنمية القدرات الذاتية للمجتمع، بانتظار وهم المساعدات الخارجية التي لا تأتي إلا بثمن قد يكون سياسياً أو اقتصادياً أو غيره. أما الاستثمارات الخارجية فهي حين تأتي إلى أي دولة تكون هادفة لتحقيق أرباح لمؤسسات خارج هذه الدولة. وقد عانت الأجيال السابقة كثيراً من كلفة الاستثمارات الخارجية التي تحولت إلى أخطبوط يأكل خيرات المجتمع، واضطرت بعض الدول إلى تأميم هذه الاستثمارات  للخلاص منها.
       لذلك ، وبما أن الثروة  موجودة بكثافة كما أسلفنا، فإن وسائل تفعيلها يجب أن تكون وطنية صرف، أي تفعيل الجهد الإنساني اللبناني، وهو كفيل بالاستثمار في لبنان وفي خارجه قبل مرور ثلاث سنوات عن اعتماد سياسة التفعيل والحوافز الإنسانية، حيث يكون قد سدّد الدين، وبدأت مرحلة جديدة حافلة بالنمو والرفاهية. وفي هذا المجال، فإن على الحكومة اختيار مجموعة من المؤسسات التي تحقق أفضل معدلات النمو في كل سنة، وأن تدفع حوافز مادية نقدية لأصحابها ولموظفيها، مما يدفعهم إلى تطوير قدراتهم الإنتاجية ويحفزهم عليها. وبالتالي ينعكس معدل نموهم على معدل النمو العام الاقتصادي للمجتمع اللبناني ككل.
10- الخطوة العاشرة وهي أيضاً خطوة مهمة؛ إعادة النظر في القوانين والتشريعات من حيث جدواها الاقتصادية، أو من حيث جدواها التي قامت أساساً بسببها. فالهيكلية التعليمية الجديدة مثلا، أغفلت أهم بند يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار لإطلاق ورشة التعليم، وهو مجالس الأهل. فما يفرق المدارس الحديثة عن المدارس المتخلفة هو بالتحديد ، آلية التعاون بين الأهل وبين المدرسة.
       والأمر نفسه يحدث في قانون التعاونيات، لأنها تتسبب تحديداً بعكس الهدف الذي قامت لأجله، وهو تخفيض كلفة المعيشة. فالتعاونيات في لبنان هي أحد أسباب ارتفاع الأسعار على عكس ما يعتقده الناس. الأمر نفسه بالنسبة لقانون الإيجارات، الذي ساهم بشكل جدّي وفعّال في الأزمة الاقتصادية الراهنة، بعد أن قتل طموح أصحاب العمل في الملكية التجارية، التي كانوا يعتبرونها بمثابة تعويض نهاية الخــدمة لهم ... فجاء القانون ليعطل هذا الحافز المادي والمعنوي الحيوي ويقتل روح الطموح فيهم.
 11- الخطوة الحادية عشر هي في إعادة النظر في قوانين الشركات المساهمة الضخمة، والتي تعتبر شركات استراتيجية كقطاع المقاولات والكهرباء والبترول والإسمنت والزراعة وصيد الأسماك؛ وجعل إصدارات أسهمها  إسمية فقط ، حتى لا تتسلل شركات أجنبية مشبوهة وتمعن تخريبا بالأمن الاقتصادي للبلاد.
 وإذا أردنا أن نحصي القوانين المعطّلة للإنتاج في لبنان فلن ننتهي.. فمن قانون الإعلام إلى قانون الضمان الاجتماعي إلى قانون الإنتاج العام إلى قانون السير إلى قانون الاستشفاء والطبابة والمستوصفات الصحية. كلها قوانين بحاجة إلى إعادة نظر جذرية، تأخذ بعين الاعتبار حاجة لبنان إلى إطلاق قدرات أبنائه الخلاقة حتى يتمكن من تجاوز الواقع الأليم.
 ختاماً لا بد من الإشارة إلى أن الإصلاح ليس مستحيلاً إذا توفرت الإرادة. ولا بد من أن يرافق الإرادة قانون المعرفة، الذي يمكننا أن نصفه بحق أنه العصا السحرية التي يبحث عنها الجميع. فالمعرفة إذا ترافقت مع إرادة العمل تحقق المعجزات. أما إذا كان العمل من غير معرفة فإن النتيجة هي الفشل الذريع. وفي هذا المجال فإن صفاء النية ونقاء السريرة والكف النظيف أمور قد تمكّن صاحبها وحده من دخول الجنة.. ولكنها لا تمكّنه من أن يقود مجتمعا كاملا نحوها.
 ولمزيد من التوضيح والإنارة فإن خبراء الحزب الإقتصادين على استعداد دائم لمد يد العون في شرح ما يلزم، والمساعدة على مواكبة تنفيذ وتطبيق مشروع إصلاح الاقتصادي والمالي في لبناننا العزيز.


 
ضع إعلانك هنا


جميع الحقوق محفوظة - حزب النجادة 2017